السبت، 12 أبريل، 2014

Спектакль Окончен


Полина Гагарина - Спектакль Окончен
بولينا جاجارينا - لقد انتهى العرض

Я хочу запомнить как смята постель,
أريد أن أتذكر الشراشف المجعدة
как ты одеваешься там, в темноте
و كيف ارتديت ثيابك هناك في الظلام
Как уходишь призраком молча, не прощаясь.
و كيف غادرت في صمت , لم تقل وداعا  
Дописали мы свой роман про любовь,
لقد انتهينا من كتابة رواية حب
не хватает лишь пары слов,
ينقصها فقط كلمتين
Посиди со мной, поговори со мной.
إجلس معي .. تكلّم إليّ !!
Я хочу запомнить как падает снег,
أريد أن أتذكر كيف تساقط الثلج
медленней обычного падает снег.
أبطأ مما أعتاد أن يتساقط
Как душа по комнате бродит обнаженной.
تماما كما تدور الروح عارية في المكان
Скоро зазвучит эхо нового дня,
ستتردد أصداء يوم جديد
начинай его без меня.
و سيبدأه بدوني
Не буди меня, освободи меня.
لا توقظني !! أطلقني !!
Спектакль окончен, гаснет свет
لقد انتهى العرض و انطفأت الأنوار
 и многоточий больше нет.
و ليس هناك نهاية
Останови музыку, спектакль окончен,
أوقفوا الموسيقى .. لقد انتهى العرض ..
 happy end.
النهاية السعيدة
Я буду такою, как ты не хотел,
سأكون كما لا تريد
сделаю с другими, что ты не сумел.
و سأفعل مع آخرين ما عجزت عنه أنت 
Я порву последние нити между нами.
و سأقطع آخر شعرة تصل بيننا
Мокрые глаза заслоняя рукой,
و سأغطي بيدي عيني الدامعتين
 я тебя прошу тебя, бывший мой —
أتوسل إليك , يا حبي السابق
Посиди со мной, поговори со мной!
إجلس معي .. تكلّم إليّ !!
Спектакль окончен, гаснет свет
لقد انتهى العرض و انطفأت الأنوار
и многоточий больше нет.
و ليس هناك نهاية
Останови музыку, спектакль окончен,
أوقفوا الموسيقى .. لقد انتهى العرض ..
happy end.
النهاية السعيدة

Спектакль окончен, гаснет свет
لقد انتهى العرض و انطفأت الأنوار
и многоточий больше нет.
و ليس هناك نهاية
Останови музыку, спектакль окончен,
أوقفوا الموسيقى .. لقد انتهى العرض ..
happy end.
النهاية السعيدة
Спектакль окончен, гаснет свет
لقد انتهى العرض و انطفأت الأنوار
и многоточий больше нет.
و ليس هناك نهاية
Останови музыку, спектакль окончен,
أوقفوا الموسيقى .. لقد انتهى العرض ..
happy end.
النهاية السعيدة
Спектакль окончен.
لقد انتهى العرض

السبت، 15 فبراير، 2014

.


Сказка девушка по имени "Дахаб"


14 января: в первый день новой Конституции референдума,18 лет, египетский беременных женщин под названием "Дахаб Хамид Абдалла", был арестован, во время произвольных арестов, проводимого полицией, против сторонников свергнутого президента Мохамеда Мурси, где она была задержана в полицейском участке , "Сахель", в условиях, которые не вписываются со своим девяти месяцев беременности. 

После двух дней в полицейском участке, был обвинен в демонстрации без разрешения, был представлен в прокуратуру, где вынесено решение об аресте ее в течение 15 дней в ожидании расследования, прокурор возобновил свои 15 дней в тюрьме три раза, совсем недавно в прошлый четверг, 13 февраля. 

  В прошлый четверг ночью, боль началась. Она была доставлена ​​в "Zayton" больницы, и из-за трудности доставки, и ухудшение ее ситуации, врачи решили сделать кесарево сечение.

до операции

сразу после операции

Embedded image permalink
как-нибудь потом

Почему люди арестованы и содержатся в условиях, непригодных для их здоровья? 

Какой вред может быть сделано путем женщины, которая рожает? Зачем использовать манжеты с женщиной рожать?

Мой ответ: Потому что система может! 


Ноха Камаль 
Санкт-Петербург

الخميس، 16 يناير، 2014

ما هو الخطأ الجوهري في الإقتصاد المركزي ؟

مقال موجه للطبقة الوسطى المؤمنة بالرأسمالية !!

ملحوظة مبدئية :أتحدث هنا من منطلق إجتماعي تاريخي و هو قبول المجتمعات البشرية لاستعمال النقد كمعيار لمقارنة القيمة و أفترض سوقا حرا يخضع فقط لقانون العرض و الطلب , كما أغض النظر تماما عن طبيعة توزيع الثورة داخل المجتمع , بقدر ما أغضه عن تناقض فكرة النقود مستدامة القيمة كمعيار لسلع فانية بطبيعتها .. 

إن الهدف النهائي من أي نظام مالي مركزي هو تثبيت أسعار السلع ..

أوك : لو أردنا أن نمثل نظام النقد الحالي بمثال بسيط . . فسنفترض أن ثروة البلد كلها عبارة عن 10 قطع من الجبنة و أن البلد فيها فلوس نقدية عشرة جنيه >> يبقى سعر حتة الجبنة بجنيه .. 

بس البلد فيها كمان بقرة (قوة إنتاجية) و دي موش للبيع البقرة دي بتنتج , نقول 6 حتت جبنة في السنة و إحنا بناكل . . و لا يعني ما ناكلشي . . قول حتة جبنة واحدة في السنة . . يبقى في آخر السنة لقينا البلد فيها 15 حتة جبنة و لسه فيها 10 جنيه . . يبقى ساعتها ثمن حتة الجبنة بقى 2/3 جنيه ..

النظام المالي المركزي يقولك كده أصحاب الجبنة بيخسروا لأن سعرها نزل يقوموا يطبعوا خمسة جنية علشان يرجع البلد فيها 15 حتة جبنة و 15 جنيه .. 

المشكلة إن الفرق ده لا صاحب حتة الجبنة استفاد بيه و لا اللي ح يشتريها حس بيه بصورة مباشرة . . النظام هو اللي استفاد ..

طيب لو نزلنا لأرض الواقع بنلاقي تطبيق الكلام ده إزاي . . الدولة بتقدر عدد حتت الجبنة (الزيادة المتوقعة في الثروة) . . تقدرها تقدير (صحيح أو جزافي) و تطبع على أساسها فلوس ..

طبعا التقدير ده ممكن يكون صحيح أو جزافي . . طيب . . المشكلة لو التقدير طلع جزافي و ما أنتجناش الست حتت المتوقعين . . يعني لقينا نفسنا انتجنا حتتين بس . . أكلنا واحدة و فضلت واحدة ساعتها البلد بقى فيها 15 جنيه و 11 حتة جبنة بس . . 

يعني حتة الجبنة بقت بجنيه و تلت . . يعني الحاجة غلت . . فرق الزيادة ده هوا التضخم . .

طيب فيه طريقة تانية . . فيه :))

نفترض لو أن السلاح الأهم في النظام المركزي تم كسره .. نفترض لو مفيش طبع عملة .. اللي ح يحصل بالتالي ح يكون أن البلد السنة دي فيها 10 حتت جبنة و عشرة جنية . . يبقى حتة الجبنة بجنيه . . السنة الثانية انتجنا 4 حتت و كلنا منها واحدة يبقى البلد فيها 13 حتة جبنة يبقى سعر حتة الجبنة 0.76923 جنية . . يعني سعرها نزل . . 

ح تقوللي طيب و صاحب حتة الجبنة ذنبه ايه أحمله الخسارة دي . . ح أقولك مفيش خسارة أصلا لأن موش الجبنة بس اللي نزل سعرها . . لأ كل حاجة في البلد سعرها ح ينزل لكن ح تفضل محتفظة بقيمتها النسبية . . بمعنى أصح مفيش حاجة اسمها قيمة مطلقة . . القيمة نسبية بين السلع و بعضها . .

يعني التليفزيون سعره ح ينزل و عبوة العصير سعرها ح ينزل . . لكن القيمة النسبية ح تفضل ثابتة تقريبا . . و القيمة الشرائية للجنية ح تزيد . . و هوا ده المطلوب . . 

يعني موش بضاعتك بس اللي رخصت . . كل البضائع رخصت . . 

من مشاكلنا الأساسية التضخم . . يعني النهاردة معاك 200 ألف جنيه و موش عارف لا تشتري بيهم حاجة عليها القيمة و لا تحطهم في مشروع يدر عليك دخل . . و السنة الجاية قيمة الـ 200 ألف بتقل . . يعني لو ح تعرف تجيب بيهم شقة النهارده كمان سنة ما يجيبوش . .

النظام المركزي بيحرم المتعاملين بنفس المعيار النقدي من أن قيمته تزيد بمقدار عملهم . . يعني اللي بيشتغل و ينتج و يصنع و يزرع و يعمل أي حاجة في أسوان أو اسكندرية أو في أي حته في مصر بيزود ثروته و ثروة زميله اللي في دمنهور أو المحلة أو أي حتة تانية . . لكن النظام و بطبعه للمزيد من النقود بيستولى على الزيادة دي ..

بمعنى أصح : في حالة وقف طبع المزيد من العملة : لما حضرتك تشتغل موش انتا لوحدك اللي ح تبقى غني . . كل المشتركين في النظام المعياري ده قيمة فلوسهم ح تزيد . . 

ملحوظة تاريخية : شكلت ضرورة سك العملة من المعدن في العصور القديمة , بالتزامن مع صعوبة أعمال الصياغة , و ضخامة مساحات الإمبراطوريات القديمة .. الرومانية و الفارسية و الإسلامية , و اقتصار دار السكة في أغلب الأحيان على إعادة تأهيل القطع القديمة الممسوحة عن طريق صبها من جديد , أو إعادة أنتاج عملة دولة قديمة بالشعارات الجديدة , أقول شكل كل هذا فرصة جيدة لإختبار هذه الفرضية ... إذ يلاحظ أنه في الاوقات التي لم تتدخل فيها السلطات المركزية بتقليل قيمة الذهب في العملة - و هو نوع من الخدع المالية القديمة كانت تقوم فيه الدولة بإعادة سبك الدينار على دينارين , أو أكثر أو أقل , مما يتولد عنه فائض في النقد تستخدمه الدولة في وقت الأزمات مسببة تضخم بسبب ضخ السيولة - أقول , أنه في أوقات الرخاء , و ما لم تتدخل السلطة المركزية , كانت القيمة الشرائية لوحدة النقد تتزايد باضطراد يضطر معه المتعاملون إما إلى اللجوء للمقايضة و تجنب استعمال العملة عالية القيمة , أو إلى تكسير العملة إلى وحدات أصغر : منذ أقل من مائة عام كان الجنيه يتكون من 100 قرش و القرش من 10 مليمات و المليم من 4 بارات !!!!

لا أتحدث هنا بالطبع عن أوقات القحط = شح السلع .. في كلا النظامين , الذي يقدّر معدل النمو السنوي فيطبع على أساسه المزيد من العملة , و الذي لا يبالي به , سترتفع الأثمان تبعا للعرض و الطلب ..

ملحوظة 2 : يفترض النظام المالي الإسلامي أن أقل قدر من النمو سيكون 2,5 % .. و لعل هذا ما كان يدور في رأس محمد و هو يقول : ما نقص مال عبد عن صدقة ..  أخرجه الترمذي وغيره عن أبي كبشة الأنماري
نهى كمال
سانت بطرسبورج

الثلاثاء، 31 ديسمبر، 2013

تاريخ الأفكار و الحركات الأناركية :: مقال العبودية الطوعية

العبودية الطوعية
إيتان دي لا بوسيه Étienne de La Boétie

ولد (إيتان دي لا بوسيه) - أو (لابوتيه) باللهجة المحلية في (بريجوه) في (سارلا لا كانيدا) جنوب غربي فرنسا , في الأول من نوفمبر 1530 , لعائلة أريستقراطية عتيدة , فقد كان أبوه مسئولا ملكيا عن المنطقة , كما كانت أمه شقيقة رئيس برلمان (بوردو) = جمعية المحامين . و قد تيتّم في سن مبكرة , فتولى أحد أعمامه تنشئته ,  حتى حصل على شهادة في القانون من جامعة (أورليانز) في 1553 . و قد حصل في العام التالي على قرار ملكي بالتعيين في برلمان (بوردو) في العام التالي , على الرغم من كونه تحت السن القانوني . و قد عمل قاضيا و دبلوماسيا حتى وفاته المفاجئة في 1563 .

كان (لا بوتيه) كذلك شاعرا مميزا , و باحثا إنسانيا , و قد ترجم أعمالا لـ (زينوفون) و (بلوتارخ) , و كان على أتصال وثيق بمجموعة Pleiade , و هي مجموعة من الشباب الرواد في مجال الشعر , ضمت , Pierre Ronsard و Jean Dorat و Jean-Antoine de Baif .

و كان (لا بوتيه) من المعارضين للتسامح الديني بإعتبارها سياسة ستؤدي حتما إلى تقويض التاج .

و من المعتقد أن (لابوتيه) قد كتب مقالته عن العبودية الطوعية , و هو في سن الثامنة عشرة , - سنة 1549 - , بينما يجادل البعض أنه قد كتبها حين كان في الجامعة , في حدود 1552 - 1553 , بينما جادل آخرون في أن هذه المقالة ربما كانت من عمل (مونتين) Montaigne أحد أقرب أصدقائه , والأرجح أن (لابويسيه) كان قرأ «مقالة في العبودية الطوعية» على بعض أقرانه في جامعة أورليان فاستنسخوها ووزعت المقال بشكل خاص , من يد ليد بشكل شخصي , و لم تُنشر حتى 1576 بعد وفاة (لابويسيه) . و لمَّا صار بعض هؤلاء المستنسخين في عداد الكالفينيين ، اقتبسوا أجزاء من هذه المقالة في كتاباتهم ، مع تصاعد العداء و استحكامه ، و استخدموها لأغراض سياسية . لكن استتباب الأمر للحكم الملكي ، خلال القرن السابع عشر ، جعل «مقالة في العبودية الطوعية» نصاً لا يلتفت إليه إلا قلّة من القراء ، وكان قدرها أن لا تظهر منشورة إلا في ظل «مقالات» مونتني، حتى العام 1835، إذ نشر النّص على حدة .

لا أرى خيرا , في أن يكون للمرء أسيادٌ عديدون ,
فليكنْ سيدٌ واحدٌ , و ليكن ملكٌ واحدٌ (1)

ذلك ما قاله (أوليس) , و هو يخاطب الجمهور , حسب (هوميروس) , و لو أنه أكتفى بالقول : لا أرى خيرا في أن يكون للمرء أسياد متعددون , لكان قولا كافيا . لكن , بدلا من أن نفكر في ذلك كان يجب القول إنّ سيادة مجموعة لا يمكن أن تكون صالحة , مادامت سيادة الفرد , ما إن يحمل لقب سيّد , تصبح قوة قاسية و غاشمة , و ذهب ليضيف عكس ذلك قائلا : فليكنْ سيدٌ واحدٌ , و ليكن ملكٌ واحدٌ .

قد نعذر (أوليس) لاعتماده هذا الأسلوب من أجل تهدئة مرّد الجيش . بل لعله لاءم في كلامه الظروف أكثر مما راعى الحقيقة . لكن , لدى التفكير نجد أن من الشقاء أن نكون تابعين لسيّد , و نحن لا نستطيع الوثوق بصلاحه , فيما يكون بوسعه دوماَ أن يصير شريرا ساعة يشاء . أما أن يكون للمرء أسياد عديدون , فهذا يعني أن نكون أشقياء بقدر عددهم . لا أرغب في التصدي هنا لهذه المسألة التي طالما جرت مناقشتها , ألا و هي : هل أشكال الحكم الجمهورية الأخرى خير من الملكية ؟ فإنّ بودّي أن أعرف , قبل أن أثير الشك في المرتبة التي ينبغي للملكية (2) أن تحتلّها بين أنظمة الحكم الشعبية , و هذا أن كان ينبغي أن تكون لها من مرتبة , لأنّ من الصعب الاعتقاد بوجود شيء عام في هذا الحكم , حيث كلّ شيء ملك لفرد واحد . إلا أنّ هذه المسألة مستبقاة لوقت آخر , فهي تستوجب بحثا خاصا بها , بل قد تستدعي من جانبها كل النزاعات السياسية .

أودّ الآن أن أدرك فقط كيف أنّ عددا من الناس , و عددا من البلدات , و عددا من المدن , و عددا من الأمم , تعاني الأمرّين أحيانا على يد طاغية واحد , لا يملك من قوة سوى تلك التي يمنحونه إياها , و الذي ما من قدرة لديه على الإضرار بهم إلا بمقدار ما يريدون هم أن يقاسوا . و الذي ما كان بوسعه إلحاق أيّ أذى بهم لولا أنهم يفضّلون تقبّل كل شيء منه بدلا من معارضته . لا ريب في أنّه أمر مذهل , و مألوف جدا مع ذلك , حتى ليثير الألم أكثر مما يبعث الدهشة , لدى رؤية ملايين و ملايين من الناس رازحين في العبودية و الشقاء و أعناقهم تحت النير , و ليسوا مرغمين بفعل قوة قاهرة , لكنهم - على ما يبدو - مفتونين و مسحورين , بفعل اسم فرد واحد , ليس عليهم أن يخشوا قدرته , لأنه وحيد , و لا أن يحبوا مناقبه , أنه عديم الرأفة بهم و متوحش . مع ذلك هذا هو ضعف الناس : إنهم مرغمون على الطاعة , مجبرون على التأجيل , فلا يستطيعون أن يكونوا دائما الأقوى . إذاً , إنْ كانت أمّة ما مرغمة بقوة السلاح على الخضوع لسلطة فرد واحد , كما كانت حال (أثينا) تحت سيطرة الطغاة الثلاثين (3) , فلا ينبغي إبداء العجب من خنوعها , بل أن نرثي لها . أو بالأحرى لا أن نتعجب و لا أن نشكو , بل تحمّل الشقاء بكل أناة بانتظار مصير أفضل .

تلك هي طبيعتنا , إنها تفرض علينا أن نغلّب واجبات الصداقة على قسم كبير من مجريات حياتنا , فمن المنطقي أن نحب الفضيلة و نحترم الأعمال الصالحة , و نعترف بالخير من أي مصدر أتانا , و أن نقلل كثيرا مما ننعم به من رغد العيش لنزيد في رفعة من نحب و الذين يستحقون محبتنا . و هكذا إذاً فإن وقع أبناء بلد ما , على شخص بين ظهرانيهم , رفيع الجاه برهن لهم بالتجربة على بعد تبصّره بالعواقب حرصا عليهم  , و على جرأة كبيرة في حمايتهم , و فطنة شديدة على تدبّر أمورهم , فإن بادروا بعدئذ فأسلسوا له القياد , و منحوه ثقتهم بمنحه بعض الامتيازات , فلا أدري إن كان من الحكمة في شيء , أن يتمّ نقله من حيث كان يعمل الخير ليُصار إلى وضعه حيث يغدو بوسعه أن يقترف الشر . لكن يبدو طبيعيا في واقع الأمر , أن نحمل نيات الخير , إلى من لم يصدر عنه حيالنا سوى الخير . و ألا نخشى أن يصيبنا منه أيّ شر .

لكن , آه يا إلهي ! ماذا يمكن لذلك أن يكون ؟ و أنّى لنا أن نعرف كيف ذلك يُدعى ؟ و أيّ شر هو هذا ؟ أيّ فسق , بل أي فجور رهيب ؟ أن ترى عددا لا يحصى من الناس , لا يطيعون فقط , بل يخنعون , و لا يساسون و بل يمتهنون . أموالهم ليست لهم , أهلهم ليسوا لهم , و أولادهم ليسوا لهم , حتى حياتهم ليست لهم . يتعرّضون بوحشية لأعمال السلب و الفجور و العنف , لكن ليس على يد جيش و لا من قبل معسكر من البرابرة الذين ينبغي على المرء التصدي لهم , دفاعا عن دمه و حياته , و إنّما على يد فرد واحد ! و ليس ذلك الرجل بهرقل , و لا هو شمشون , بل هو من أشباه الرجال , و غالبا ما يكون الأكثر جبنا , و المخنث في الأمة , فهو لم يتنشق رائحة بارود المعارك , بل لم يكد يطأ الرمل في ساح المباريات . و لا تتوفر لديه القدرة على قيادة الرجال , بل حتى على تلبية مطالب أضعف امرأة , فهل نطلق على ذلك اسم الجبن ؟ هل نقول على الذين يخنعون إنهم رعاديد و جبناء ؟ لو كان اثنان أو ثلاثة أو أربعة لا يصمدون لبطش واحد , لبدا الأمر عجيبا , إلا أنه ممكن . و لكان بوسعنا القول , لا بأس , لقد خانتهم الشجاعة . لكن لو كانوا مائة , أو كانوا ألفا يعانون الأمرّين بسبب شخص واحد , فهل نقول أنهم لا يريدون الخوض في نزاع معه , أو أنّهم لا يجرؤون على ذلك , و إنّ المسألة ليست تخاذلا بل هي ازدراء أو احتقار ؟ و لو وقع نظرنا على مائة أو على ألف إنسان , بل على مائة منطقة و ألف مدينة و مليون إنسان لا يهاجمون شخصا واحدا , يلقى على يده أفضلهم معاملةَ معاملة العبيد , فكيف لنا أن نصف ذلك ؟ هل نصفه بالجبن ؟ واقع الحال أنّ من الطبيعي أن يكون لكل النقائض حدّ ما , و أنهم لا يستطيعون تجاوزه : يمكن لاثنين أن يخشيا واحدا , و يمكن لعشرة . لكن الألف و المليون و الألف مدينة , إنْ لم يتّقوا شر فرد واحد فليست المسألة جبنا و لا هي تبلغ ذلك الحدّ , مثلما أنّ الجرأة لا تقتضي أن يتسلق شخص واحد أسوار قلعة أو يحاصر جيشا أو يقوم بغزو مملكة . إذا أي آفة هائلة هي تلك التي لا يستحق حتى أن توصف بالجبن , و التي لا تجد اسما بشعا بما فيه الكفاية تأنف الطبيعة منه , و ترفض اللغة إطلاق اسم عليه ؟

إذا , فلنضع خمسين ألف مسلح في مواجهة مع خمسين ألفا آخرين . و ليصطفوا في وضعية قتال , ثم فليتلاحموا . البعض منهم أحرار و يقاتلون من أجل حريتهم , و يسعى البعض الآخر لانتزاعها منهم : فلأيٍ منهم تتوقعون النصر ؟ و من هم الذين في ظننا يدخلون القتال بإقدام أكبر , فهل الذين يأملون في أن يكون الحفاظ على حريتهم هو المكافأة على عنائهم , أو الذين يتوقعون الفوز باستعباد الآخرين لقاء الضربات التي يوجهونها أو يتلقونها ؟ منهم من يضع نصب عينيه رغد العيش الماضي بصورة دائمة , فيتوقع في المستقبل هناء مماثلا . يفكرون بما يكابدون طيلة زمن المعركة , بقدر ما يفكرون بما سيعانونه هم و أولادهم و ذريتهم , إذا ما انهزموا . أما الآخرون فليس ما يشحذ همّتهم سوى شيء ضئيل من الجشع الذي تخفّ حدّته بغتة حيال الخطر , فتخبو ناره لدى أول قطرة دم تسيل من جراحهم . و إننا إذ نتفكّر في معارك (مليساد) و (ليونيداس) و (تيميستوكل) (4) الشهيرة التي نشبت قبل ألفي عام , و لا تزال حيّة حتى اليوم في ذاكرة الكتب و الناس , و كأنّ ذلك وقع بالأمس القريب , و التي شنّها الإغريق لخير الشعب اليوناني , لتكون للعالم مثلا يحتذى , نتساءل عمّا منح عددا ضئيلا جدا من الناس , و هو ما كان عليه الإغريق , لا القدرة , بل الجراة على تحمّل قوّة المراكب التي كان البحر نفسه غاصّا بها , و التغلب على العديد من الأمم التي وجدت باعداد ضخمة , حتى إنّ كتيبة الإغريق بأفرادها , ما كانت تكفي , لأن تزود القوات المعادية , بقادة أركان و أمراء جيوش , حتى بدا الأمر في تلك الأيام المجيدة كأنّ المعركة لم تكن بين الإغريق و الفرس , بل كانت انتصار الحرية على الهيمنة , و التحرر على الجشع ؟

إنها لرائعة حقا حكايات البسالة التي تبثها الحرية في قلوب المدافعين عنها ! لكنّ ما يحصل في كل البلدان و من قبل كل الناس , و في كل يوم , أن يقوم رجل واحد بإساءة معاملة مائة ألف فيحرمهم من حريتهم , فمن عساه يصدّق ذلك , لو سمع به فقط من غير أن يراه ؟ و لو لم يقع ذلك إلا في بلدان غريبة و فوق أراض بعيدة , و قد رويت لنا , فهل من أحد إلا سيظنّ أنّ ذلك مصطنع و مخترع و ليس صحيحا ؟ يبقى القول بشأن هذا الطاغية وحده , فهو لا يحتاج للمحاربة , و ليس ما يدعو للقضاء عليه , فهو مقضي عليه تلقائيا , بشرط ألا يقبل البلد أن يكون مستعبدا له . ليس المقصود انتزاع أيّ شيء منه , بل عدم إعطائه أي شيء . و لا داعي لأن تتحمّل البلاد عناء فعل شيء من أجله , شريطة ألا يفعل شيئا ضدها . هي إذا الشعوب التي تستسلم بنفسها لسوء المعاملة , لأنها بتخليها عن خدمته تصبح متحررة .

إنّ الشعب الذي يستسلم بنفسه للاستعباد يعمد إلى قطع عنقه , و الشعب الذي يكون حيال خيار العبودية أو الحرية , فيدع الحرية جانبا و يأخذ نير العبودية و هو الذي يرصى بالأذى , بل يسعى بالأحرى وراءه . و لو تكلّف شيئا لاستعادة حريته , لما قمت أنا يحثّه على ذلك , فماذا يمكن أن يكون أثمن لدى الإنسان من أن يجد نفسه ضمن حقه الطبيعي , و أن يعود و إذا ما صحّ القول , من كونه بهيمة إلى كونه إنسانا ؟ لكنني لا أتوقع كذلك أن يكون لديه مثل هذا الإقدام , فأنا أقبل معه بأن يفضّل طمأنينة ما للعيش ببؤس على أمل غير مؤكّد في العيش برفاهية . ثم ماذا ؟ إذا كانت الحرية كي تنال لا تتطلب إلا أن نتماها , و لو كان الأمر متعلقا بمجرد الرغبة فيها , فهل كنا نقع على أمة في العالم لا تزال تجدها باهظة الثمن , و هي التي تستطيع نيلها بأمنية واحدة , و من عساه يأسف على إرادته في كسب منفعة ينبغي على المرء أن يدفع دمه ثمنا لها , و فقدانها يجعل الحياة مرّة , و الموت حسنا لدى كل إنسان شريف ؟ لا ريب في أن الأمر كالنار التي تبدأ من شرارة صغيرة لتتأجّج و يشتدّ سعيرها على الدوام , و كلما وجدت حطبا أسرعت بالتهامه , و التي لا حاجة بنا إلى رميها بالماء لإطفائها . حسبنا أن نكفّ عن تزويدها بالحطب , و حين نكفّ عن إضرامها فإنها تأكل بعضها , و تغدو فارغة من كل قوة لتصسر إلى العدم : كذلك هي حالة الطغاة , فكلما نهبوا و كلما ألحّوا في الطلب و كلما تسبّبوا بالتهديم و التخريب , و كلما ازداد الإغداق عليهم و الإقبال على خدمتهم , تشتدّ سطوتهم و يصبحون أكثر قوة على الدوام , و أكثر استعدادا لمحق كل شيء و تهديمه . أمّا إن لم يُعطوا شيئا , و لم تقدّم لهم فروض الطاعة , فإنهم , و من غير قتال أو توجيه ضربات , سيلبثون مجرّدين مسحوقين و لا يبقى لهم من كيان , فحالهم كحال الغصن حين تنقطع عنه العصارة التي تغذيه من جذوره , فيجفّ و يموت .

إنّ الشجعان لا يهابون الخطر أبدا في سبيل نيل الخير الذي يبتعون . و لا يرفض ذوو الفطنة مكابدة المشقة مطلقا : أما الجبناء و الخاملون , فلا يعرفون مكابدة الألم و لا السعي وراء الخير , فيقفون من المكارم عند التمني . أما فضيلة الإرادة فمنتزعة منهم بسبب تخاذلهم . و أما الرغبة في الخير فتظل لديهم بفعل الطبيعة . تلك الرغبة بل تلك الإرادة مشتركة بين الحكماء و الأغبياء , و بين الشجعان و الجبناء , للتوق إلى كل الأشياء التي تجعلهم باكتسابها سعداء و مغتبطين : يبقى شيء واحد لا يقوى الناس على تمنيه , و لا أدري لماذا ؟ إنه الحرية , و هي نعمة كبيرة و ممتعة جدا , فإذا فقدت تتوالى الويلات , و تفقد النعم بعدها كل طعمها و مذاقها , لأن العبودية أفسدتها . إن الحرية خالصة لا يتمناها الناس البتّة , لا لسبب آخر على ما يبدو , إلا لأنهم إنْ يتمنّوها ينالوها , فكأنّهم يرفضون الحصول على هذا المكسب الثمين , لا لشيء سوى أنّ الحصول عليه يسير جدا .

أيتها الشعوب المسيكة و البائسة و الحمقاء , أيتها الأمم المكابرة في دائها و العمياء عن نعمتها , أنتم تتراخون فتدعون الأجمل و الأنقى من رزقكم يُختطف من أمامكم , فحقولكم تُنهب و تُسرق , و بيوتكم تُتعرّى من الأثاث القديم الذي كان لآبائكم . و تعيشون على نحو لا يسعكم معه الزهو بأنكم تمتلكون شيئا . يبدو أنكم , إذا ترك لكم نصف ممتلكاتكم و نصف عائلاتكم و نصف حياتكم , تعتبرون ذلك سعادة كبرى . أما هذا الويل كله و هذه المصيبة و هذا الدمار , فلا يلحق بكم على أيدي الأعداء , بل الأكيد حقا على يد العدو الواحد , يد ذاك الذي جعلتمون كبيرا جدا على ما هو عليه , و الذي من أجله تتوجّهون إلى الحرب بكل جرأة , و الذي لا تتوانون من أجل تعظيمه عن تقديم أنفسكم للموت . إلا أنّ هذا الذي يسيطر عليكم تلك السيطرة كلّها ليس له سوى عينين اثنتين و يدين اثنتين و جسد واحد و ليس فيه من شيء آخر يزيد عن أدنى رجل من عدد سكان مدننا اللامتناهي , باستثناء الامتياز الذي تهبونه إياه ليتولى تدميركم , فمن أين جاء بذلك العدد الكبير من الأعين التي يترصّدكم بها , ما لم تكونوا أنتم أعطيتموه إياها ؟ و أنّى له تلك الأيدي كلها فيضربكم بها , ما لم يأخذها منكم ؟ و من أين جاءته الأقدام التي يطأ بها مدنكم , ما لم تكن هي أقدامكم أنتم ؟ فهل له سلطة عليكم إلا بكم ؟ و كيف يجرؤ على الهجوم عليكم لو لم يكن على وفاق معكم ؟ و أي أذى كان بوسعه لو لم تكونوا شركاء للصّ الذي يسرقكم و متواطئين مع المجرم الذي يقتلكم و خونة حيال أنفسكم ؟ أنتم تبذّرون ثماركم من أجل أن يقوم بإتلافها . و تفترشون بيوتكم فتملأونها بالأثاث لتصير عرضة لعمليات سلبه . و تربّون بناتكم ليشبع فجوره . و تتعهدون أولادكم بالرعاية , من أجل أن يبادر في أحسن الاحوال لاصطحابهم إلى حروبه فيقودهم إلى المجازر , و يجعل منهم أدوات لتنفيذ أطماعه و منفذين لعمليات انتقامه . تنقصم ظهوركم إعياء كي يتمكن من التمتع بملذاته و التمرّغ في أحضان الشهوات القذرة و الدنيئة . أنتم تضعفون أنفسكم لجعله أقوى و أكثر صلابة في القبض بتمكّن على حبل قيادكم . إنّ بوسعكم التخلّص من تلك الموبقات الكثيرة التي لا تقوى البهائم على تحملها لو كانت تحسّ بها . إنّ بوسعكم التخلّص منه إذا ما سعيتم . لا تسعوا إلى التخلص منه , بل أعربوا عن الرغبة في ذلك فقط . احزموا أمركم على التخلّص نهائيا من الخنوع و ها أنتم أحرار . أنا لا أريد منكم الإقدام على دفعه أو زحزحته , و إنما الكف عن دعمه فقط , و لسوف ترونه مثل تمثال عملاق نُزعت قاعدته من تحته كيف يهوى بتأثير وزنه فيتحطّم .

إنّ الأطباء ينصحون المرء بعدم وضع يديه على القروح التي لا تقبل الشفاء , و لست راغبا في هذا الصدد بتقديم موعظة لشعب فقد منذ زمن طويل كل معرفة , و الذي بدا بوضوح أنّ داءه قاتل , ما دام لا يشعر بأي ألم , فلنحاول إذا أن نفهم , إذا أمكن ذلك , كيف ترسّخت على هذا النحو تلك الإرادة العميقة في العبودية , حتى كدنا نعتقد أن حب الحرية ليس طبيعيا .

لا ريب في أننا , لو كنّا نعيش مع الحقوق التي وهبتنا إياها الطبيعة , و مع التعاليم التي لقنتنا إياها , لكنّا مطيعين لأهلنا طاعة طبيعية , خاضعين للعقل , غير عبيد لأحد , فالطاعة التي يقدّم كلّ منّا فروضها لكل من أبيه و أمّه , من غير أنْ يحضّه أحد على ذلك سوى الباعث الطبيعي النابع من ذاته , لهي خير دليل يقدّمه الإنسان لنفسه و الناس كلّهم شهود , أما بشأن العقل , و هل هو فطري فينا , فمسألة طالما دخل الأكاديميون في جدال بشأنها و أشبعتها مناقشة كل مدارس الفلسفة . لا أعتقد أنني على ضلال إذ أقول إنّ في روحنا بذرة عقل طبيعية , إنْ نتعهدها بخير النصح و حسن التعوّد , تزدهر فتثمر فضيلة . و أما بخلاف ذلك , فإذا حاصرتها أشواك الرزيلة تختنق فتذوى . أمّا ما هو واضح جليّ لا يستطيع أن يجهله أحد فهو أنّ الطبيعة و هي أداة بيد الله و مدبّرة البشر , قد صاغتنا جميعا , على نحو ما نبدو , من طينة واحدة و في قالب واحد لتظهر لنا أننا كلنا متساوون بل إخوة . و لئن كانت في معرض توزيعها للهبات علينا , قد أغدقت من عطاياها على هؤلاء , جسدا و روحا , أكثر مما أعطت لأولئك , و أنّها لم تشأ أن تجعلنا في هذا العالم كأننا في حظيرة , و أنّها لم تبعث إلى هذا العالم بالناس الأشداء أو الأكثر حكمة و عقلا , فنصير أشبه بقطّاع الطرق المسلحين في غابة , حيث يروّعون الضعفاء . لكن علينا أن نؤمن بأنها , و قد جعلت نصيب البعض أكبر من البعض الآخر , فقد رمت إلى إفساح المجال أمام وضع التعاطف الأخوي موضع التطبيق , فالبعض قادر على مدّ يد العون , و البعض الآخر بحاجة إليها . زدْ أنّ هذه الأم الرؤوم و قد أعطتنا جميعا الأرض كلها دار مقام , و أسكنتنا كلّنا في المنزل عينه , قد صوّرتنا كلّنا أيضا وفق النموذج نفسه , عسى أنْ يرى كلّ منا في الآخر مرآة تعكس له صورته . و لئن قدّمت لنا تلك الهبة العظيمة المتمثلة في الصوت و الكلمة , فلكي تزيدنا تعارفا و تآخيا و تمكننا عبر التعبير المشترك و المتبادل عن أفكارنا , من تضافر عزائمنا عبر الإعلان المتبادل عن أفكارنا . و لئن حرصنا بكل الوسائل على توثيق العرى لتحالفنا و مجتمعنا بكلّ قوة , فبرهنت في كلّ شيء على أنّها لا تريد أن تجعل منّا جميعا متحدين كأننا نسخ موحدة , و إنما كأننا شخص واحد , و ينبغي ألاّ يراودنا الشك في أننا أحرار بطبيعتنا , ما دمنا متساوين جميعا ؟ فلا يدخلن في ذهن أحد أنّ الطبيعة وضعت كائنا من كان في ربقة العبودية , ما دامت قد جمعتنا كلنا في صحبة واحدة .

من نافلة القول في الحقيقة التساؤل إن كانت الحرية طبيعية , إذ لا يسعنا الإبقاء على أي كائن في حال العبودية من دون إلحاق الأبه , فما من شيء في العالم يناقض الطبيعة العاقلة سوى الظلم , فالحرية طبيعية إذاً . لذا فأنا أرى , أننا لم نولد و حريتنا ملك لنا فحسب , بل نحن مكلّفون أيضا بالدفاع عنها . و إذا كان مازال هناك بعض الذين يشككون في الأمر - ممن وهنت فيهم العزيمة حتى باتوا يجهلون هبة الله فيهم , و لا حتى الشغف الفطري فيهم - فينبغي أن أمنحهم الشرف الذي يستحقون و أنْ أرتقي بهم , إذا ما صحّ القول من مرتبة بهائم في إهاب بشر لأعلّمهم حقيقة طبيعتهم و وضعهم , فالبهائم , بعون الله , تصيح بالبشر الراغبين في سماعها : " عاشت الحرية " , فالكثير منها يموت فور اغتصابها منه . و مثلما يموت السمك فور إخراجه من الماء , كذلك هي حالها حين تفضّل الموت على حرمانها من حريتها الطبيعية . و لو كان للحيوانات في ما بينها بعض أشكال التسامي , لجعلت من هذه الحرية شرف محتدها . و تبدي حيوانات أخرى , من أكبرها إلى أصغرها , مقاومة شرسة إذا ما أمسكنا بها , فتدافعنا بمخالبها و قرونها و مناقيرها و قوائمها , حتى يتبيّن لنا ما الثمن الذي تمنحه لما تفقده . أما و قد وقعت في قبضتنا , فإنها تظلّ تعطينا الكثير من الدلائل البيّنة على أنّها تعرف ما حلّ بها من ضيم , و لكم هو نافع أن نراها و هي تذوى بدلا من أن تعيش , و تئنّ حنينا إلى هنائها المفقود بدلا من التلذذ في العبودية . و ما عسى أن يقول الفيل , بعد أن قاوم حتى النهاية , و لم يبق من مهرب أمامه قبل الوقوع في الأسر , سوى أنّ يغرس فكّيه فيكسر نابيه على الأشجار , تعبيرا عن رغبته الكبرى في البقاء حرا فألهمته حكمة مساومة الصيادين : إنه يريد أن يرى هل أن يدفع عاج نابيه فدية عن حريته ؟ إننا نداعب المهر منذ ولادته لنعوّده على الخدمة . لكن ملاطفتنا لا تحول دون أن يعضّ على اللجام , و أن يرفس لدى وخزة المهماز حين نهمّ بترويضه . إنه يريد أن يبرهن لنا , وفق ما أرى , على أنه لا يخدمنا عن طيب خاطر , و إنما بسبب قهرنا إياه .
فماذا ينبغي أيضا أن نقول ؟
حتى الثيران , تحت عبء النير تئنّ
و الطيور في الأقفاص تنوح و تحنّ

على نحو ما قلت في ما مضى , و أنا أمضي الوقت عاكفا على قوافينا الفرنسية (5) . ذلك أنّني لن أخشى أبدا , و أنا أكتب إليك يا (لونغا) (6) , من الاهتمام بأشعاري , التي ما عدت أقرأها أبدا , إلا بسبب ما تبدي حيالها من رضى , فتضفي عليّ مجدا . و هكذا فمادام كل كائن ذو إحساس يشعر بضيم الذلّ و يسعى وراء الحرية , و مادامت البهائم , حتى المخصصّة لخدمة الإنسان , لا يسعها أن تطيعه إلا بعد الاحتجاج تعبيرا عن رغبة مخالفة , فأي سوء طالع قد شوّه الإنسان - الوحيد المولود حقا ليعيش حرا - حتى أفقده ذكرى كيانه الأوّل و الرغبة في استرجاعها ؟

هنالك ثلاثة أنواع من الطغاة , فالبعض الأوّل يسود عبر انتخاب الشعب , و البعض الآخر بقوة السلاح , أما البعض الأخير فبالتوالي الوراثي . أما الذين اغتصبوا السلطة بقوّة السلاح فيتصرّفون بها - نحن نعرف ذلك و نقوله بوجه الحق - كأنهم في بلاد قاموا بغزوها . أما الذين ولدوا ملوكا , فليسوا على العموم أفضل مطلقا , فالذين ولدوا و ترعرعوا في حضن الطغيان , يرضعون الطغيان طبيعيا مع الحليب , و ينظرون إلى الشعوب الخاضعة لهم , نظرتهم إلى عبيد بالوراثة . و يتصرّفون بالمملكة وفقا لطبعهم الغالب - بخلاء كانوا أم مبذرين , مثلما يتصرّفون بإرثهم . أما الذي تأتيه السلطة عن طريق الشعب فيبدو لي أنّ عليه أن يكون محتملا أكثر . و أعتقد أنه يمكن أن يكون كذلك لولا أنه ما إنْ يرى نفسه مرفوعا أعلى من الجميع , حتى يساوره الغرور بفعل ذلك الذي يطلقون عليه اسم العظمة , فيصمم على أن لا يتزحزح عن مقامه . و يعتبر على نحو شبه دائم أنّ القوة التي منحه الشعب إياها , ينبغي أن ينقلها إلى أبنائه . و الحال أنّ العجيب في هؤلاء , أن تراهم فور تبنّيهم هذه الفكرة , كيف يتجاوزون في كل ألوان الرزائل , بل حتى في صنوف البطش , كل الطغاة الآخرين . و لا يجدون من وسيلة لضمان طغيانهم الجديد ما هو أفضل من نشر العبودية و تعميمها و بذل كل قوة لاستبعاد أفكار الحرية من رعاياهم , مما يؤدي إلى محوها من ذاكرتهم مهما يكن العهد بها قريبا . و إنّي , و الحق يقال , لأرى في ما بينهم بعض الفروق , أما إنْ شئت الاختيار فلا أرى بينهم من فارق : ذلك أنهم إن ارتقوا إلى العرش بأساليب شتى , فإن طريقتهم في الحكم تكاد تكون تقريبا هي هي على الدوام , فالذين اختارهم الشعب يعاملونه معاملة ثور يقومون بتطويعه , و يرى الغزاة فيه طريدة من طرائدهم , أما الوارثون , فهو في نظرهم قطيع من العبيد يملكونه بالفطرة .

و لسوف أطرح السؤال الآتي : لو جرى أنْ ولد اليوم أناس جديدون تماما , لم يتعودوا المذلة و لا ذاقوا طعم الحرية , لأنهم يجهلون حتى اسم هذه و تلك , ثم خيّرناهم بين أنْ يكونوا تابعين و بين أن يكونوا أحرارا , فما سيكون اختيارهم ؟ فلا ينبغي أن يساورنا الشك في أنهم سوف يفضلون الاستجابة للعقل فعلا , على خدمها إنسان , و ذلك ما لم يكونوا مثل أولئك القوم من بني إسرائيل الذين رموا بأنفسهم إلى يديْ أحد الطغاة , من دون حاجة و لا إرغام . و أنا لا أقرأ تاريخهم قط من غير أن أشعر بأقصى استياء , يكاد يدفع بي إلى موقف لا إنساني حتى البهجة بما نالهم من شدائد , ذلك أنّه لابدّ للناس , ماداموا ناسا فقبلوا بالاستذلال , من أحد أمرين اثنين : إما أنهم مقهورون أو أنهم مخدوعون , فالمقهورون يكونون كذلك بأسلحة الأجنبي , مثلما قهرت إسبارطة و أثينا بأسلحة (الإسكندر) , و يكون المخدوعون بالزمر و الأحزاب كحال حكومة أثينا التي سقطت من قبل بين يدي (بيزيستراتس) (7) . و غالبا ما يفقدون حرّيتهم بوقوعهم ضحايا الخديعة , لكنْ قلّما يغويهم خداع الغير , بقدر ما يخدعون أنفسهم , فذلك ما وقع لشعب (سيراكوزا) عاصمة صقلية , الذي لم يفكّر , و قد حاصرته الحروب , إلا باللحظة الآنية , فأختار (دونيس) الأول , و أوكل إليه قيادة الجيش . و لم ينتبه الشعب إلى أنه قد جعله على تلك الدرجة من الجبروت , إلا حين رجع ذلك الماكر ظافرا كأنما قد انتصر على مواطنيه لا على أعدائه , فنصّب نفسه قائدا عسكريا , ثم ملكا , فتحوّل من ملك إلى طاغية . و إنّه لأمر لا يصدّق أن ترى كيف أنّ الشعب , من بعد أن جرى إذلاله , يسقط بغته في نسيان للحرية عميق جدا حتى ليغدو مستحيلا عليه أن تستيقظ ليعود فينالها , فهو يؤدي دوره رقيق بكل طيب خاطر , حتى ليسعنا القول إنّه لم يفقد فقط حرّيته بل هو قد فاز بعبوديته . صحيح أنّ المرء يخدم باديء ذي بدء مرغما و مهزوما أمام القوة , لكن الناس التابعين يفعلون ذلك غير نادمين , بل يقومون عن طيب خاطر بما قام به سابقوهم قسرا , فالناس الذين ولدوا تحت النير , ثم نموا فترعرعوا في ظل العبودية , من غير أن ينظروا البتة إلى ما قد سبق , يرضون بالعيش على نحو ما ولدوا و لا يفكرون قط في الحصول على خيرات أخرى أو حقوق أخرى سوى ما وجدوا . و يعتبرون حال ولادتهم هي الحال الطبيعية . و مع ذلك فما من وارث , حتى لو كان مبذّرا أو مهملا , إلا و يلقي ذات يوم نظرة على سجلات أبيه ليرى إن كان ينعم بكل حقوق إرثه و ما إذا كان أحد ألحق ضيما به أو بمورّثه . لكن العادة التي تمارس علينا سلطة كبرى في كل شئون حياتنا , تعلّمنا بشكل خاص عادة آداء الخدمة , التي تنتهي بنا , على نحو ما يخبرنا به (ميتريداتس) , بالتعود على السمّ , إنها عادة تجرّع سمّ العبودية من غير أن نشعر بطعم مرارته .

لا ريب في أن الطبيعة تقودنا إلى حيث تشاء , حسنا أكان طالعنا أم سيئا , لكن ينبغي التسليم بأنّ سلطتها علينا أقلّ من سلطة العادة . و مهما تكن الفطرة حسنة , فإنها تضيع ما لم نتولّ رعايتها , و تقوم العادة دوما بتسويتنا على هواها , على الرغم من الفطرة , فبذور الخير التي أودعتها الطبيعة فينا , هي على درجة من الضآلة و الهشاشة , حتى لا يسعها أن تصمد أمام أي صدمة تأتيها من عادة مغايرة . و ليس حفظها ميسورا على قدر تهجينها , بل فساد أصلها , فشأنها شأن تلك الأشجار المثمرة التي تحافظ على صفات نوعها مادمنا نهيئ الفرصة أمامها , لكنّها تفقد تلك الصفات لتحمل ثمارا مغايرة لثمارها وفقا لنوع تطعيمها . كذلك لكل نوع من أنواع الأعشاب خصائصه و طبيعته و تفرّده , و رغم ذلك , فإنّ طول الأمد و تقلّبات الطقس و نوعية التربة و عمل البستاني تزيد كثيرا في منافعها , أو تقلّل منها , فالنبتة التي رأيناها في بلد ما , يشقّ علينا في غالب الأحيان التعرّف عليها في بلد آخر . من} ينظر في أحوال أهل البندقية (8) , يجد حفنة من الناس يعيشون حياة على درجة من الحرية حتى إنّ الأشد بؤسا بينهم لا يرضى بأن يصبح ملكا , فقد ولدوا و نشأوا و ليس ما يطمحون إليه سوى المحافظة على حريتهم أحسن محافظة , كذلك تربّوا و ترعرعوا منذ المهد بطريقة لا يقبلون معها بالتخلي عن قلامة من حريتهم مقابل المباهج على سطح البسيطة كافة ... أقول إنّ من يرى هؤلاء الناس , ليتوجّه من بعد إلى أملاك واحد من "كبار الأسياد" (9) , فيلتقي بأناس لم يولدوا إلا ليُسْتَرقّوا , فيتخلّون عن حياتهم الخاصة مقابل الحفاظ على سطوته , هل سيعتقد أنّ هذين الشعبين هما من طينة واحدة ؟ أم أنّه سوف يرى بالأحرى أنه غادر مدينة يقطنها بشر , فدخل حظيرة عامرة بالبهائم ؟ يُروى أنّ مشرّع (إسبارطة) , (ليكورغ) , قام بتربية كلبين اثنين , هما أخوان , رضعا معا الحليب نفسه , فقام بتسمين الأول في المطبخ , و أرسل الثاني ليجري في البراري و يسمع أصوات البوق و المزمار . و عزم (ليكورغ) على أن يبين للإسبارطيين أنّ الناس هم على ما صنعه تعليمهم , فوضع الكلبين في الساحة العامة و وضع في ما بينهما طبقا من الحساء و أرنبا بريّا , فهرع الأول إلى الطبق و انطلق الثاني يطارد الأرنب . و مع ذلك فهما , كما قال : أخوان . لقد تولّى ذلك الرجل , مستخدما قوانينه و فنّه السياسي , تربية الإسبارطيين حتى صار الواحد منهم يفضّل تجرّع كأس الردى ألف مرة على الخضوع لسيادة غير سيادة القانون و العقل .

و يروقني التذكير هنا بطرفة عن أحد ندماء كسرى , ملك الفرس الكبير , و اثنين من أهل (إسبرطة) . بينما كان كسرى يقوم باستعداداته الحربية لغزو اليونان , أرسل مبعوثيه إلى مدن عديدة في تلك البلاد ليطلبوا منهم ماءا و ترابا - تلك كانت طريقة الفرس في إنذار المدن كي تستسلم . لكنّه حرص على عدم إرسال أحد إلى (إسبرطة) أو إلى (أثينا) , ذلك انّ الإسبارطيين و الأثينيين , الذين كان أبوه (داريوس) قد أرسل إليهم مبعوثين من قبل , يرمون بالبعض منهم في الحفر , و البعض الآخر في الآبار , قائلين لهم : " هيا , خذوا ماءا و ترابا , و احملوهما إلى أميركم " , فقد كان أولئك الناس يأنفون أن يسيء أحد إلى حريتهم حتى بأدنى كلمة . و قد اعترف الإسبارطيون أنهم بتصرّفهم ذاك قد أساؤوا إلى الآلهة , و لاسيما (تالثيبي) , إله الرسل و المبعوثين , فقرروا من أجل تهدئتهم و استرضائهم , أن يبعثوا إلى كسرى باثنين من مواطنيهم , لكي يتصرّف بهما كيفما شاء , و عسى أن يثأر لمقتل مبعوثي أبيه منهما . و لقد تقدّم إسبارطيان , أحدهما يُدعى (سبيرتياس) و الآخر (بوليس) , معتبرين نفسيهما ضحيتين طوعيتين , فانطلقا . و حين وصلا إلى قصر فارسي يُدعى (هيدارن) , و هو وكيل الملك في كل مدن آسيا التي كانت على البحر , استقبلهما هذا الأخير بحفاوة بالغة , فأولم لهما , و من حديث لآخر سألهما عن سبب رفضهما , بكل ذلك العنف , صداقة الملك . و قال لهما : " أيها الإسبارطيان , اعرفا من خلالي أنا , كيف أنّ الملك يكرّم الذين يستحقون تكريمه . صدّقاني أنّكما لو كنتما في خدمته و عرفكما , لكنتما كلاكما , حاكمين لبعض المدن اليونانية " . فأجابه الإسبارطيان : " لا يسعك في هذا الصدد , يا (هيدارن) , أن تقدّم لنا نصيحة نافعة , ذلك أنّك إذا خبرت السعادة التي تعدنا بها فإنّك تجهل كل الجهل السعادة التي ننعم بها نحن . أنت خبرت إنعام الملك عليك , لكنك لا تدري ما طعم الحرية العذب . و الحال أنّك لو تذوّقته فقط , لنصحتنا بالدفاع عنها , لا بالرمج و الترس فقط , و إنما بالأسنان و الأظافر أيضا " .

كان الإسبارطيان يقولان الحق فقط , لكنّ كل واحد هنا كان ينطق وفق للتربية التي تلقّى , فقد كان يستحيل على الفارسي أن يأسف على الحرية التي لم يتمتّع بها قط , على قدر ما كان مستحيلا على الإسبارطيين اللذين خبراها , أن يتحمّلا العبودية .

كان (كاتون الأوتيكي) (10) , و هو ما زال طفلا تحت رعاية سيّده , غالبا ما يرى الديكتاتور (صولا) لكثرة تردده على بيته , سواء بسبب مكانة أسرته أم بسبب أواصر القربى . و كان معلّمه يرافقه دوما في تلك الزيارات , على نحو ما جرت به العادة في روما بالنسبة إلى أبناء النبلاء . و شاهد يوما أنّهم كانوا في قصر (صولا) نفسه , بحضوره أم بأمر منه , يسجنون بعض الناس , و يحكمون على البعض الآخر , فيصار إلى نفي هذا , و يجري خنق ذاك . و يطالب أحدهم بمصادرة أملاك أحد المواطنين , و يطلب الآخر رأسه . و كان كل شيء يتمّ , كما يتمّ لدى طاغية يستبد بالشعب و ليس لدى قاض : لم يكن ذلك معبدا للعدالة بقدر ما كان كهفا للطغيان , فقال ذلك الصبي لمعلّمه يوما : " هلاّ أعطيتني خنجرا ؟ سأخبّئه تحت قفطاني , فأنا غالبا ما أدخل غرفة (صولا) قبل أن ينهض ... و في ذراعي ما يكفي من العزم لأحرّر المدينة منه " . كان ذلك حقا قول واحد مثل (كاتون) . بداية حياته هذه كانت تستحق الموت . أغفلوا الاسم و البلد , و ارووا الواقعة مثلما هي فقط : إنّها ناطقة بحد ذاتها . و لسوف يقال على الفور : " كان ذلك الصبي رومانيا , مولودا في روما , أيام كانت روما حرّة " , فلم أقول هذا ؟ أنا لا أزعم قطعا أن البلد و الأرض لا دور لهما , فالعبودية ذات طعم مرير لدى الناس , أينما كنا و في كل مكان , و الحرية حبيبة إلى قلوبهم . لكن ينبغي , وفق ما يبدو لي أن تأخذنا الشفقة على الذين يجدون أنفسهم , قد ولدوا , تحت النير , و أنّ علينا أنْ نعذرهم أو أن نسامحهم , ذلك أنّهم لم يعرفوا حتى ظلّ الحرية , و لا سمعوا باسمها , فهم لا يشعرون بشقاء حالهم عبيدا . و لئن كانت هنالك بلاد , وفق ما قال (هوميروس) مثل بلاد السيميريين , تظهر فيها الشمس ظهورا مغايرا تماما لظهورها عندنا , حيث إنها بعد أن تضيئهم طيلة ستة شهور متتالية , تدعهم في الظلمة لستة أشهر أخرى , فهل نبدي دهشتنا من أنّ الذين ولدوا في ذلك الليل الطويل , و لم يسمعوا قط كلاما عن الضياء و لا هم قد رأوا النور البتّة , يتعوّدون الظلمات التي ولدوا فيها من غير أن يرغبوا في النور ؟

لا يأسف المرء أبدا , على ما لم ينعم به قط , فالغم لا يأتي إلا بعد اللذة , و تقترن بمكابدة الشقاء دوما , ذكرى بهجة ما قد مضت و انقضت . و من طبيعة الإنسان أن يكون حرا و أن يكون عازما على البقاء كذلك , لكنّه بغير ذلك حين تقدّمه له التربية , فلنقل إذا إنّ كل الأشياء تصبح طبيعية حيال الإنسان حين يتعوّدها , فإنّ الشيء الوحيد الذي يبقى له في طبيعته نزوعه نحو الأشياء البسيطة لا المشوّهة . و هكذا فعلّة العبودبة الطوعية الأولى هي العادة . و هاكم ما يقع لأكثر الجياد بسالة و التي تعضّ على لجامها أول الامر , ثم تستخفّ به , و التي كانت ترفس في ما مضى و هي تحت السرج , تتقدم الآن من تلقاء نفسها صوب عتاد العربة , و تزهو و هم يابسونها الدرع , فهم يقولون إنهم كانوا دوما تابعين , و إنّ آباءهم عاشوا كذلك . و يظنّون أنهم ملزمون بمعاناة الألم , و يقتنعون بذلك عبر ضرب الأمثلة , و يدعمون بأنفسهم , من خلال طول الفترة , امتلاك مضطهديهم لهم . لكن حقيقة الامر أنّ السنين لا تمنح الحق في الإيذاء قط , فهي تضخّم الإيذاء (11) . و هنالك على الدوام من يفضلون سواهم منذ مولدهم , فيشعرون بعبء النير و لا يتوانون عن خلعه , و لا يسع الإذلال أن يروّضهم أبدا , فهم أشبه بـ (أوليس) الذي كان يسعى برا و بحرا ليرى الدخان يتصاعد من مدخنة منزله , فيحرصون على ألا ينسوا حقوقهم الطبيعية , و أصولهم , و حالهم الأولى فيجهدون مطالبين بها في كل مناسبة , فلا يكتفي هؤلاء , و هم يتمتعون بفهم واضح و فكر نيّر , برؤية ما تحت أقدامهم , من دون النظر إلى الوراء و إلى الأمام , فيتذكّرون ما قد مضى للحكم على الحاضر و توقّع المستقبل , فهم الذين يتمتّعون بعقل منظم , فيزيدونه رهافة بالتحصيل و المعرفة . أولئك هم الذين إن فقدت الحرية تماما و استبعدت من هذا العالم , تخيّلوها فشعروا بها في روحهم فتذوّقوا طعمها . و تعاف نفوسهم العبودية مهما ارتدت أشكالا .

لقد أدرك الطاغية التركي الأكبر أنّ الكتب و الفكر تملأ نفوس الناس , أكثر من أي شيء آخر , إحساسا بكرامتهم و كرها للطغيان , فأنا أفهم أن تخلو بلاده خلوا مطلقا من العلماء و ألا يجدّ في طلبهم , فحماسة الذين ظلوا هنالك , رغم الظروف السيئة , و شغفهم , و عشاق الحرية , لبثوا عموما دونما تأثير بصرف النظر عن عددهم , لأنهم عاجزون عن التفاهم في ما بينهم , فقد حرمهم الطغاة من كل حرية في العمل و القول و حتى في الفكر تقريبا , فظلوا معزولين داخل أحلامهم . و لم يكن (موموس) Momes يمزح , حين قال منتقدا الإنسان الحديدي الذي صنعه الإله (فولكان) , إنه بلا نافذة صغيرة في القلب , كي يتمكن المرء من رؤية أفكاره . قيل إن (بروتوس) و (كاسيوس) , حين أخذا على عاتقهما تحرير روما - أي تحرير العالم أجمع - , آثرا ألا يكون (شيشرون) في عداد المشاركين , و هو الخطيب المفوه الذي يثير حماسة الجماهير , لحكمهما بضعف قلبه حيال مثل تلك المأثرة الكبرى , فقد كانا على ثقة من صدق نياته , لا من شجاعته . و كل من يرغب في تذكّر الأزمنة المنصرمة و البحث في الحوليات القديمة سوف يقتنع بأنّ كل الذين وضعوا نصب أعينهم , إنقاذ بلادهم , و قد رأوها ممتهنة , و أيادٍ شريرة تعبث بها , و حملوا هدفهم بنية صافية , نزيهة و مستقيمة , قد بلغوا غايتهم بكل يسر , فالحرية التي تريد أن تتجلّى بنفسها تهبّ دائما لمساعدتهم . و لقد قام كل من (هرموديوس) و (أريستوجيتون) و (تراسيبول) و (بروتوس) الأكبر و (فاليريوس) و (ديون) (12) , بتصميم ذلك المشروع النبيل , ثم نفّذوه بكل نجاح . و في مثل تلك الحالات , تضمن الإرادة الحازمة النجاح ضمانا شبه دائم . و نجح (بروتوس) الأصغر و (كاسيوس) في تحطيم العبودية . و سقطا صريعين حين حاولا استرداد الحرية , لكن لم يكن مصرعهما بائسا - فمن عسى أن يجد شيئا بائسا في حياتهما أم في موتهما - لكنها خسارة كبرى , و من سوء طالع الجمهورية و خرابها الكلّي , فهي التي , كما بدا لي , قد دفنت بدفنهما . أما المحاولات الأخرى التي جرت منذ ذلك الحين ضدّ الأباطرة الرومان , فلم تكن سوى مؤامرات قام بها بعض الطامعين الذين لا يقابل بالأسف عدم نجاحهم و لا نهايتهم المزرية , نظرا إلى أنهم ما كانوا يرمون إلى قلب العرش , و إنما إلى زعزعة التاج فقط , ساعين وراء طرد الطاغية ليتمكنوا من حسن البقاء على الطغيان . أما هؤلاء فكاناو أثاروا سخطي و لو نجحوا , و يسرني أنهم بيّنوا بالمثال الذي قدّموا أنّه لا ينبغي الإفراط في استخدام اسم الحرية المقدس , لتنفيذ مشروع سيء .

أنا و أنا أعود إلى موضوعي , الذي كاد يغرب عن بالي , فأقول إنّ السبب الأوّل الذي يجعل الناس تستعبد طوعا , هو أنّهم يولدون أرقّاء و تجري تنشئتهم على ذلك . و يصدر عن هذا السبب الأول سبب آخر : يصير الناس بكل يسر في ظل العبودية , جبناء و مخنثين . و أنا أدين بالعرفان لـ (أبقراط) العظيم , أبي الطب , لملاحظته و إشارته الذكيّة إلى ذلك في كتابه عن الأمراض , فقد كان ذلك الرجل طيّب القلب , و نمّ على ذلك حين رغب ملك الفرس في أن يجتذبه إليه بوفرة العروض و العطايا الكبرى , فردّ عليه بكل صراحة قائلا , إنّ ضميره سيعذّبه إذا ما انصرف لعلاج البرابرة الساعين إلى قتل الإغريق , و وضع علمه في خدمة من هو عازم على استعباد بلاده . و لا تزال الرسالة التي وجهها إليه محفوظة حتى اليوم بين مؤلفاته الأخرى . و لسوف تبقى أبدا تشهد على شجاعته و كرم محتده , فمن المسلّم به أنّ المرء , مع فقدان الحرية , يفقد البسالة على الفور , فالناس الأذلاء يكونون بلا حميّة في المعركة و بلا إقدام فيسيرون إليها كأنهم مقيّدون و خاملون , فينفّذون ما هم ملزمون به بكل عناء , فلا يشعرون بقلوبهم و هي تمور بحميّة الحرية التي تجعلهم يزدرون المخاطر و تهبهم الرغبة في أن يفوزوا بالشرف و المجد عبر ميتة مجيدة يسقط فيها المرء بين أقرانه . أما لدة الناس الأحرار فالأمر مختلف , هنالك غيرة و هنالك تنافس , فكل واحد في سبيل الجميع , و كل واحد من أجل نفسه : إنهم يعلمون حقّ العلم أنهم سينالون نصيبا متساويا من مرارة الهزيمة أو من حلاوة النصر . أما الناس الخاضعون , الفتقرون للشجاعة و الحيوية , فهو ذليلو القلوب , و عاجزون عن إنجاز المآثر . و الطغاة يعرفون ذلك . لذا فهم يبذلون أقصى ما في وسعهم لإذلالهم أكثر فأكثر . و قد وضع المؤرخ (إكزينوفون) , و هو من خيرة المؤرخين الإغريق , و له فيهم الصدارة , كتابا صغيرا أجرى فيه حوارا بين (سيمونيد) و (هييرون) , طاغية (سيراكوزا) , يدور حول ما يعاني الطاغية من شقاء , و الكتاب مليء بالدروس المفيدة و الرصينة , التي لها في نظري طلاوة و حلاوة . و لو وضعه كل الطغاة , أينما كانوا , نصب أعينهم كالمرآة , لكانوا رأوا فيه , من دون أدنى ريب , مثالبهم , و شعروا بالخجل مما يلطخهم من عيوب , فيتكلّم الكتاب عن معاناة الطغاة , الذين باتوا مرغمين , و قد أساؤوا إلى كل الناس , أن يشعروا بالخوف من الجميع . و من جملة ما يقول : إنّ الملوك الأشرار يتخذون مرتزقة غرباء لخدمتهم , لأنهم ما عادوا يجرؤون على تسليم أسلحة لأتباعهم بعد أن أساؤوا معاملتهم . بل إنّ بعض الملوك الصالحين في فرنسا نفسها , قد استخدموا في ما مضى أكثر من اليوم , جيوشا أجنبية تقاتل لحسابهم , لكن كان المقصود بذلك الحفاظ على أرواح رعاياهم . و ما كانوا يعبأوون بالنفقات في سبيل استبقاء الرجال . بل كان ذلك أيضا , حسبما أعتقد , رأي (سكيبيو) الإفريقي , الذي كان يفضّل إنقاذ حياة أحد مواطنيه , على هلاك مائة عدو . لكن مما لا ريب فيه , أن الطاغية لا يثق أبدا بضمان جبروته , ما لم يتوصّل إلى أن يكون أتباعه رجالا لا قيمة لهم على الإطلاق . و يسعنا أن نقول بحق , ما قاله (تراسون) لسيّد الفيلة , وفقا لكتاب (تيرانس) :
أَوَ أنت على هذا القدر من الشجاعة
حتى توليت شأن البهائم ؟

لم يكن مكر الطغاة المتمثّل في استغباء رعاياهم , بأوضح مما كان لدى (قورش) حيال الليديين , من بعد أن أستولى على عاصمتهم , و أسر ملكهم الفائق الثراء (كريزوس) . أبلغ أن سكّان (ساردس) قاموا بثورة , فأعادهم بسرعة إلى حظيرة طاعته . أما و أنّه لم يكن راغبا في تعريض مدينة على هذا القدر من الجمال للنهب , و لا على أن يبقي فيها حامية عسكرية كبيرة لإخضتعها , فقد ارتأى حلا مدهشا يمكّنه من السيطرة عليها , فأنشأ فيها مواخير و حانات و ملاعب عامة , و أصدر قرارا يلزم المواطنين بالتوجه إليها , فوجد نفسه على أحسن حال وسط تلك الحامية , حتى أنه لم يشعر من بعد بحاجة لإشهار السيف في وجه الليديين .

و لقد تلهّى أولئك البائسون بابتكار كل أنواع الألعاب , حتى إنّ اللاتين استخدموا اسمهم ليصوغوا منه الكلمة التي نعني بها اللهو و تزجية الوقت , فقالوا (لودي) , تحريفا لكلمة (ليدي) . و لم يعلن الطغاة كافة , بمثل ذلك الوضوح , عن عزمهم على تخنيث رعاياهم . أما على أرض الواقع , فإنّ ما قام به ذاك علانية , فعلته الغالبية العظمى من بينهم في الخفاء . أما النازع الطبيعي للشعب الجاهل , الذي هو في العادة أكثر عددا داخل المدن , فهو : أنه مرتاب حيال من يحبّه , و واثق بالذي يخدعه و يغشّه , فلا تظنوا أنّ هنالك طائرا يقع بسهولة أكبر في الفخ , و لا بسمكة يجتذبها الطعم فتعلق بالصنارة أسرع , من تلك الشعوب كلها التي تنجذب من فورها نحو العبودية , بسبب أدنى يجعلونها تتذوقها . و إنّه لأمر عجيب أنّهم ينساقون بتلك السرعة , لقاء دغدغة هزيلة , فالمسارح و الملاعب , و التمثيليات الهزلية , و عروض الألعاب و المصارعات و الوحوش الغريبة , و الأوسمة و اللوحات , و كل المخدرات الأخرى , من تلك الأنواع شكّلت الطعم الجاذب لتلك الشعوب نحو العبودية , و ثمن حريتها المغتصبة , و أدوات الطغيان . إنّ تلك الوسيلة , و الممارسة العملية لتلك المغريات , هي التي استخدمها الطغاة القدامى لتخدير رعاياهم الرازحين تحت النير . و هكذا كانت الشعوب المخبولة , تفتن بجمال تلك الأشكال من اللهو كلّها , و تستعذب طعم خمور تسلب لبّها , فتتعوّد العبودية بغباوة تداني غباوة الأطفال الذين يتعلّمون القراءة مستعينين بصور برّاقة .

لقد راهن الرومان أكثر على تلك الوسائل داعين كثيرا إلى ولائم العشرات , مشجعين على تناول الطعام حتى يصاب بالتخمة أولئك الرعاع الذيم ما من شهوة يمكن أن تجتذبهم على قدر شهوة الطعام . و هكذا , فما كان لأشدّهم يقظة أن يتخلّى عن قصعة حسائه ليسعى وراء استرجاع جمهورية أفلاطون . كان الطغاة يظهرون سخاء بتوزيع مكاييل من القمح , و طاسات من الخمر , و بعض الدراهم , لتُسمع من بعد الأفواه ترتفع بصيحات مزرية , هاتفة : " عاش الملك " , و ما كان أولئك الجهلاء ليفطنوا إلى أنّهم لم يفعلوا سوى استرجاع جزء من خيراتهم , بل إنّ هذا الجزء الذي استردوه , ما كان بوسع الطاغية أن يهيهم إياه لولا أنه اغتصبه منهم مسبقا , فهذا يلتقط اليوم درهما و الآخر يأكل حتى التخمة في وليمة عامة حيث كلّ يسبّح بحمد (تيبيريوس) و (نيرون) على سخائهما , ليجد نفسه في الغد مرغما على التخلي عن أملاكه لجشع الأباطرة الرائعين , و على تقديم أطفاله لفجورهم , و حتى على بذل دمه لبطشهم , و هو جامد كالحجر لا ينبس ببنت شفة , و لا يهتزّ كأنه أرومة شجرة يابسة . تلك كانت على الدوام حال الشعب الجاهل : فهو يقظ و نشط و متهتّك حيال كلّ متعة لا يستطيع أن ينالها بنزاهة . و فاقد لكل إحساس بالألم الذي يستطيع أن يتحمّله بكل إباء . و لست أرى أحدا من الناس اليوم إلا و يرتعد خوفا لسماعه فقط اسم (نيرون) , ذلك الوحش البشع , ذلك الطاعون القذر الذي اجتاح العالم . و مجدنا مع ذلك مرغمين على القول إنّ الشعب الروماني الشهير , من بعد موت الطاغية , موته المقزز مثلما كانت حياته , و هو الجلاد , و هو ذلك الوحش المفترس المثير للفتن , قد تولاه الأسى و هو يتذكّر ألعابه و ولائمه , حتى أوشك أن يعلن عليه الحداد . ذلك على الأقل ما كتبه (تاسيتوس) , و هو المؤلف الممتاز , و المؤرخ الموثوق بأقواله . و لن نرى في الأمر عجبا حين نستذكر ما قد فعل هذا الشعب نفسه لدى موت (يوليوس قيصر) , الذي استهان بالقوانين و ازدرى الحرية في روما . و يبدو لي أنّهم كانوا يطرون في هذا الشخص "إنسانيته" إطراءا خاصا . و واقع الحال إنّها كانت أشدّ شؤما على البلاد من أعظم بطش قام به الطاغية الأكثر همجية بين كل من عرفت البلاد من قبل , ذلك أنّ الحقيقة كانت تلك الحلاوة المسمومة التي جعلت شراب العبودية مستساغا لدى الشعب الروماني , فبعد موته قام ذلك الشعب , و طعم الولائم ما زال في فمه , و العطايا السخية في ذاكرته , بجمع المقاعد في الساحة العامة , ليشعل محرقة عظيمة تكريما لذكراه , ثم رفع من أجله عمودا , نصبا تذكاريا , بوصفه أبا للشعب - كان تاج العمود يحمل تلك التسمية - . و أخيرا , فقد قدّم تكريما لذلك الميت يفوق ما كان عليه أن يقدّم لأي حيّ و لاسيّما الذين قتلوه . و ما كان الأباطرة الرومان لينسوا حمل لقب محامي الشعب , لأن ذلك المنصب كان مبجّلا و مقدّسا . فهو قد أنشيء للدفاع عن الشعب و حمايته , و كان يحظى بأسمى احترام في الدولة , فكاناو يضمنون بتلك الطريقة مزيدا من وثوق الشعب بهم , كأنّما حسبه سماع تلك التسمية , من غير أن يكون بحاجة إلى لمس نتائجها . و ليس بأفضل من أولئك , هؤلاء الذين يمهّدون اليوم لارتكاب أخطر الجرائم , بإلقاء خطب جميلة رنانة حول الخير العام و معالجة أمور المساكين . و باتت الصيغة التي يستخدمونها بكل براعة معروفة . لكن هل يسعنا أن نتكلّم عن الرهافة حيث هنالك الكثير من الصفاقة ؟ كان ملوك آشور و ملوك ميديا من بعدهم , قلّما يظهرون أمام الجمهور , ليجعلوا الشعب يخمّن أنّ فيهم ما هو فوق نستوى البشر , و أن يفسحوا المجال لكي يحلم الذين يحلّقون بخيالهم حول الأشياء التي لا يسعهم أن يروا بأم أعينهم . و هكذا لبث عدد من الأمم في ظلّ حكم أولئك الملوك المغيّبين , فرضخوا لسلطانهم , و خدموا عن طيب خاطر و لا سيّما أنّهم كانوا يجهلون من هو سيّدهم , بل حتى إن كان هنالك من سيّد . إلى حدّ أنّهم عاشوا في ظلّ خوف من كائن ما وقعت عليه عين قط . أمّا ملوك مصر الأوّل , فما كانوا يظهرون البتّة من غير أن يرفعوا على رؤوسهم غصنا تارة , و نارا تارة أخرى : فيتقنّعون و يؤدون أدوارا بهلوانية , توحي لرعاياهم , عبر أشكالها العجيبة , بالإحترام و الإعجاب , و الذين لولا أنهم على درجة من الحمق و الخنوع , لكان لهم أن يسخروا منها و أن يضحكوا . و إنّه حقّا لمما يثير الشجن أن نكتشف كلّ ما كان يفعل الطغاة لإرساء قواعد طغيانهم , و أن نرى أي أساليب دنيئة كانوا يستخدمون , و يجدون العامة دائما في الموقع الملائم بالنسبة لهم حتى لا يعوزهم سوى بسط الشرك للإيقاع بهم جميعا , فلم يشعروا قط بأي عجز عن غشهم و لم يستعبدوهم على أحسن وجه إلا و هم يسخرون منهم أكثر .

و أنا ما عساي أقول عن إحدى الترّهات الأخرى التي صدّقتها الشعوب القديمة تصديقا ساذجا ؟ لقد آمنوا إيمانا راسخا بأنّ الإصبع الكبير في قدم (بيروس) , ملك (إيبيريا) , تصنع المعجزات و تشفي مرض الطحال . و زادوا في الحكاية تجميلا فقالوا إنّه قد عثر من بعد إحراق جثمان الملك على الإصبع بين الرماد سليمة لم تمسسها النار . و الشعب الأحمق يصل به الأمر حد نسج الأكاذيب بنفسه ليقوم من بعد بتصديقها . و قد نقل عدد كبير من الكتّاب مثل تلك الأكاذيب , فلا يصعب علينا أن نلاحظ أنهم التقطوها من بين الأقاويل المتداولة في المدن و من خرافات الجهلة . و تلك هي المعجزات التي صنعها (فيسبازيان) , لدى رجوعه من بلاد (آشور) ليمرّ في (الإسكندرية) ثم يتوجّه إلى (روما) ليستولي على الإمبراطورية : كان يسفي العرج و يجعل العميان مبصرين , و ينجز ألف مأثرة أخرى مما لا يمكن أن يثق به , حسبما أرى , سوى أناس أشد عمى من الذين كان يشفيهم . و رأى الطغاة أنفسهم أمرا عجيبا قبول الناس بإنسان آخر يسيء معاملتهم , لذلك تدثّروا عن طيب خاطر بعباءة الدين و تنكّروا على قدر ما يستطيعون ببراقع الألوهية لتكون ضمانة لحياتهم الفاسدة , لذلك , فإنّ (سالموني) الذي سخر من الشعب جاعلا من نفسه (جوبيتر) آخر , قد صار الآن في أعماق الجحيم وفقا لعرّافة (فيرجيل) التي شاهدته هناك :
حلّ به أشدّ العذاب , و قد نوى أن يقلّد
رعود السماء , و بروق (جوبيتر) ,
اعتلى صهوة جياد أربعة , و مضى ملوّحا ,
شاهرا مشعلا ساطعا و هو يرفعه عاليا
مضى بين الشعوب (الغريجية) , تجوّل في الساحة
عبر في المدينة الليدية شامخ الرأس
و سار متبجحا يتحدّى بكبريائه
و ينتقص , دونما وازع , من كرامة الآلهة
ذلك الأحمق الذي عمد إلى العاصفة فالصاعقة
و هما لا تُقلّدان فقلّدهما , بالنحاس و بجلبة مرعبة
و بطرق حوافر خيوله , مثل الرب , الأب القادر ,
الذي ما لبث أن أنزل العقاب بذلك الجرم الكبير ,
فرمى بما هو أشدّ من مشعل و أقوى من النور
شعلة من الشمع انهارت ,
و بضربة هائلة من عاصفة رهيبة
قلبت عاليه سافله فرجلاه من فوق رأسه . (13)

و لئن كان الذي أراد أن يتحامق فقط يلقى هنالك حسن المعاملة , فأظنّ أنّ الذين استغلوا الدين في سبيل عمل الشر سوف يكونون أيضا في وضع أحسن . و لقد بذر أيضا طغاتنا الفرنسيون ما لا أدري له كنها : علاجم و أزهار سوسن و الأمبولة المقدسة (14) و راية الشعلة الذهبية Oriflamme  . إنّ تلك الأشياء التي لا أرغب من جانبي , و مهما يكن من أمر , في أن أعتبرها مجرّد ترّهات , ما دام أجدادنا قد آمنوا بها و أننا لم نقع في زماننا على أي مناسبة تجعلنا نرتاب فيها . ذلك أننا عرفنا بعض الملوك الصالحين جدا زمن السلام , و الباسلين جدا في الحروب , حتى بدا أنّ الطبيعة , على الرغم من أنّهم ولدوا ملوكا , لم تجعلهم مثل الآخرين و أنّ الرب القدير قد اختارهم من قبل أن يولدوا ليكل إليهم الحكم و حماية المملكة . و لست راغبا , حين لا يكون الحال كذلك , في الدخول في جدال حول حقيقة تاريخنا (15) , و لا أن آخذ حريتي المطلقة في الانتقاص منه حتى لا أنال من ذلك الموضوع الجميل الذي يمكن لشعرنا الفرنسي أن يجهد فيه على أحسن حال , و لا أقصد فقط ذلك الشعر المزخرف , و إنما الشعر الذي أعيد تجديده إن صحّ القول , على أيدي شعرائنا من أمثال (رونسار) و (باييف) و _دو بلييه) : إنهم يعملون على السير بلغتنا قدما حتى بتّ أجرؤ على الأمل قريبا بأن لا نغبط الإغريق و لا اللاتين على شيء , سوى حقهم في البكورية . و إنني كنت يأُلحِق كبير ضيم بقوافينا - لكم يروقني استخدام هذه الكلمة , التي أرى , على الرغم من أنّ كثيرين جعلوها آلية تماما , عددا لا بأس به من القادرين على أنّ يسموا بها و أنّ يعيدوا إليها ألقها السابق - . قلت إنني سألحق بها كبير ضير إذا ما انتزعت منها تلك الحكايات الجميلة عن الملك (كلافيس) , و التي تجلّت فيها على نحو ممتع و طيّععبقرية شاعرنا (رونسار) في قصيدته الشهيرة (لا فرانسياد) (16) . إنني مدرك لما ترمي إليه , و أعرف حسّه المرهف و أنا أدرى بفضائل الرجل . و لسوف يحرص على رفع الراية مثل حرص الرومان على دروعهم ,

تلك "الدروع التي ألقيت من السماء إلى الأسفل " ,

و التي يتكلّم عنها (فيرجيل) , و لسوف يحقق نفعا من قارورتنا المقدسة (17) , مثل النفع الذي حققه الإغريق من سلّة (أريشتون) (18) , و سوف يتكلّمون عن شعاراتنا مثلما يتكلّمون هم عن زيتونتهم التي يزعمون أنّها لا تزال قائمة في برج (مينيرفا) . و سوف أكون جريئا حتى التهور إذا ما عزمت على تكذيب كتبنا و أن أهيم هكذا على دروب شعرائنا . و في عودة إلى موضوعي الذي بالغت في الابتعاد عنه , من غير أن أعرف كيف , أتساءل : أليس واضحا أنّ الطغاة قد جهدوا , من أجل تثبيت حكمهم , في تعويد الشعب ليس على الخنوع و العبودية فقط بل على عبادنهم أيضا ؟ إنّ كلّ ما قلت حتى الآن عن الأساليب التي استخدمها الطغاة للاستعباد , لم تطبّق إلا على الشعب الفقير الجاهل . و أصل في بحثي الآن إلى نقطة , تشكّل في نظري الدافع و السر الكامن وراء السيطرة , و الدعم و الأساس لكل طغيان , فواهم كلّ الوهم من يظن أنّ فؤوس الحرب و الحرس و المراصد تؤمّن حماية للطغاة , فهم يستخدمونها , في اعتقادي شكلا و ترهيبا , أكثر مما يثقون بها , فرماة السهام يسدّون مداخل القصور أمام التعساء الذين لا يملكون أي وسيلة إيذاء , لكن ليس أمام الجسورين المسلّحين . و نرى بكل يسر أنّ عدد الأباطرة الرومان الناجين من الخطر , بفضل رماتهم الذين هبّوا لنجدتهم , أقل بكثير من عدد الذين قتلوا على أيدي أولئك الرماة أنفسهم . و ليس هؤلاء عصابات من الناس على الخيول , و لا هم كتائب مشاة , و ليست الأسلحة هي التي تحمي الطاغية , و إنّما هم على الدوام , و لكم يشق علينا أن نصدّق ذلك , إلا أنها الحقيقة عينها , أربعة رجال أو خمسة يساندونه و يُخضعون له البلاد كلها . لقد كانت الحال دائما على هذا النحو : خمسة رجال أو ستة وجدوا لدى الطاغية أذنا صاغية فاقتربوا بأنفسهم منه , أو قام هو باستدعائهم ليكونوا شركاء له في عمليات بطشه , و ندمائه في ملذاته , و قوادين في فجوره و المنتفعين من عمليات نهبه . و يتحكّم هؤلاء الستّة بستمائة رجل , فيعملون على إفسادهم مثلما أفسدوا الطاغية . و يتحكّم الستمائة هؤلاء بستة آلاف تحت إمرتهم بيدرّبونهم التدريب اللائق . إنّهم يوكلون إليهم ولاية المناطق أو الحفاظ على الشئون المالية للإمساك بهم عبر جشعهم أو بطشهم , و ذلك من أجل أن يدرّبوهم في الوقت المناسب فيرتكب هؤلاء من جانبهم من الشرور ما يجعلهم عاجزين عن الثبات إلا في ظلّهم ,و لا التملّص من القوانين و العقوبات إلا بفضل حمايتهم . و إنّ سلسلة الذين يتبعونهم لكبيرة . و لسوف يرى من يرغب في حلّ خيطانها , أن المقيّدين إلى الطاغية بتلك السلسلة المتلاحمة ليسوا ستة آلاف بل هم مائة ألف بل ملايين . و هم بذلك يشبهون ما يقول (هوميروس) على لسان (جوبيتر) الذي يتبجّح قائلا إنّه لو سحب تلك السلسلة لأستجرّ إليه كل الآلهة . من هنا جاءت زيادة سلطة مجلس الشيوخ في عهد (يوليوس قيصر) , و إنشاء وظائف جديدة و تأسيس دوائر جديدة , فليس المقصود إعادة تنظيم العدالة , و إنما تقديم أشكال دعم جديدة للطغيان . و مجمل القول إنّ الحال يصل , عبر الأموال و النّعم التي يغدقها عليهم الطغاة , إلى حدّ أنّ الذين يؤمّن لهم الطغيان المكاسب يقاربون بعددهم أولئك الذين يعشقون الحريّة . و وفقا لما يقول الأطباء فإنّ مجرّد ظهور تورّم في جسمنا , من غير أن يطرأ عليه أيّ تغيّر ظاهر , يجعل الأخلاط تتحوّل صوب ذلك الجزء المشبوه . كذلك هي الحال حينما يتحوّل أحد الملوك إلى طاغية , فإنّ كل ما في المملكة من شرّ و من حثالة , و لا أتحدّث عن طغمات من صغار اللصوص و السفلة الذين لا يقدّمون و لا يؤخّرون بشيء في مسيرة البلاد , بل أقصد أولئك المسكونين بطمع شديد و جشع متوثّب , فيتجمّعون من حوله و يمدّونه بالدعم لينالوا نصيبهم من الغنيمة , و لكي يكونوا في ظلّ الطاغية الأكبر , عصبة من الطغاة الصغار .

هكذا هم كبار اللصوص و مشاهير القراصنة , فأولئك يجوبون أرجاء البلاد و هؤلاء يطاردون المسافرين . بعضهم ينصب كمينا و البعض الآخر يقفون بالمرصاد . البعض يعتمد القتل و البعض يقوم بالسلب . و على الرغم مما بينهم من أفضليات , بحيث يكون البعض خدّاما و البعض الآخر زعماء عصابة , فليس بينهم في نهاية المطاف من لا يحقق نفعا , و لئن لم ينل الغنيمة الكبرى فلا بدّ له من أن ينال شيئا من الفتات . قيل إنّ القراصنة الصقليين تجمّعوا بأعداد كبيرة حتى استلزم الأمر قيام (بومبيوس) الكبير بإخضاعهم . و أنّهم اجتذبوا إلى حلفهم عددا لا يستهان به من المدن الجميلة و الكبيرة , التي كانوا يلوذون بمرافئها لدى عودتهم من غزواتهم , فيكونون فيها بأمان مقابل إعطائها شيئا مما نهبوا من غنائم . و على ذلك النحو كان الطاغية يستعبد رعاياه , بعضهم عن طريق البعض الآخر . لكن تحت حماية الذين ينبغي لهم أن يحتمي منهم , إنْ كانت لهم من قيمة . لكن سبق أن قيل بحق : إنْ شئت أن تشقّ الخشب فعليك أنْ تستخدم أسافين من الخشب نفسه . و تلك هي حاله مع قوّاسيه و حرّاسه و سيّافيه . و ليست المسألة لدى هؤلاء أنهم لا يعانون هم أنفسهم من العذاب , إلا أنّ هؤلاء البائسين الذين تخلّى عنهم الله و البشر يرضون بمعاناة العذاب و بإلحاق العذاب , لكن ليس بمن يتسبّب بتعذيبهم هم , و إنّما بالذين هم مثلهم في المعاناة من غير أن يستطيعوا شيئا . و حين أتفكّر في هؤلاء الناس الذين يتملّقون الطاغية من أجل أن ينتفعوا بطغيانه و بعبودية الشعب , يتولاني الذهول حيال تقرّب المرء من الطاغية , سوى ابتعاده , و الحق يقال , عن الحريّة , و بالآتي ارتمائه كليّا في أحضان عبوديته ؟ فليدعوا مطامعهم جانبا بعض الوقت , و ليتخلّوا بعض الشيء عن جشعهم , ثم فليتأمّلوا حالهم : سوف يرون بجلاء أنّ هؤلاء القرويين و الفلاحين الذين يطؤونهم بأقدامهم و يعاملونهم معاملة المجرمين أو العبيد , سوف يرون أولئك الناس , كما قلت , على الرغم مما يعانون من سوء معاملة , سعداء أكثر منهم و أحرارا أكثر بشكل من الأشكال , فالفلاح أو الحرفي , مهما جرى استخدامه , يعود بريء الذمة بإطاعته الأوامر , لكنّ عين الطاغية تقع على الذين يحيطون به , محتالين , و هم يتسوّلون رضاه . و ليس عليهم فقط أن ينفّذوا ما يأمر به , بل أن يفكروا في ما يريد , و حتى أن يستبقوا في سبيل إرضائه , رغباته الخاصة . و ليست طاعته وحدها بكافية , فلا بدّ لهم أيضا من مجاملته . ينبغي أن تتقطّع أنفاسهم , أن يضطربوا و يقلقوا , أن يُنهكوا أنفسهم في تيسيير شئونه , ما داموا لا يستمتعون إلا بإمتاعه , و يضحّون بأذواقهم على مذبح ميوله فيقهرون نزعاتهم و يتخلّون عن طبعهم . و عليهم أن يظلوا متيقّظين لكلامه و نبره صوته و نظراته و حركاته : ينبغي أن تظلّ عيونهم و أرجلهم و أيديهم منشغلة انشغالا متواصلا بترصّد رغباته و تبيّن أفكاره , فهل في هذا حياة سعيدة ؟ بل هل هذه حياة ؟ و هل في الدنيا ما هو أشقّ احتمالا من هذه الحال , و لا أقول بالنسبة إلى كل رجل ذي بسالة , بل حتى أيضا لكل من لديه الحد الأدنى من الحس السليم أو حتى شكل إنسان ؟ و هل من وضع يفوق في شقائه ذلك النمط من العيش , المتمثل في أن لا يملك المرء شيئا لذاته و أن ينال من سواه راحته و حريته و جسده و حياته ؟

لكنهم يرغبون في الخدمة سعيا وراء تكديس الأموال : كأنما بوسعهم أن يكسبوا شيئا يكون ملكا لهم , ما داموا عاجزين عن القول إنّهم يملكون أنفسهم . و هم يرغبون في جعل أنفسهم مالكين للأموال , كأنما بوسع أحد أن يملك شيئا خاصا به في ظل حكم طاغية , متناسين أنّه ينتزع كلّ شيء من الكلّ , و عدم ترك شيء يصلح أن يكون ملكا لأحد . لكنهم يرون , مع ذلك , أنّ الممتلكات هي التي تجعل الناس تابعين لبطشه . و أنه ما من جريمه تستحق الإعدام , حسب رأيه , مثل امتياز الغير , فهو لا يهوى غير الثروات , و لا يهاجم سوى الأثرياء , و لا يهاجم سوى الأثرياء . بيد أنّ هؤلاء يأتون إليه خانعين مثلما تأتي الخراف لتمثّل بين يدي الجزار , و هم ممتلئون صحة و شبعا كأنما ليثيروا شهيته . و لقد كان على أولئك المفضّلين ألا يتذكّروا الذين كسبوا الكصير من تقرّبهم إلى الطغاة , على قدر تذكّرهم الذين , و قد أتخموا شبعا لبعض الوقت , ما لبثوا أن فقدوا بعد فترة قصيرة أملاكهم و حياتهم . وليس عليهم تذكّر العدد الأكبر ممن كسبوا الثروات , على قدر تذكر العدد الضئيل ممن احتفظوا بها , فلنستعرض كل التواريخ القديمة و لنستحضر تلك التي تحتويها ذاكرتنا , نجدْ كم عدد الذين توصلوا بأساليب دنيئة لإسماع أصواتهم للأمراء , إما عن طريق تملّق نزواتهم الفاسدة , أو عن طريق الإفراط في استغلال سذاجتهم , ليؤول بهم الأمر إلى القضاء سحقا على أيدي أولئك الأمراء أنفسهم , و بقدر ما وجدوا سهولة في تربيتهم , انقلبوا عليهم و بطشوا فيهم . بين المقربين الكثيرين من ملوك أشرار , عدد قليل لم يعان من وحشية الطاغية ؟ بل إن أحدا لم ينج من طغيانه , و قد كانوا في السابق يوغرون صدره حقدا على الآخرين . غالبا ما اغتنوا في كنفه من أموال الغير المنهوبة , و ها هم يغنونه من منهوباتهم الخاصة .

و حتى الناس الصالحون - يقع للطاغية أحيانا أن يحبّهم , فمهما بلغوا ارتقاء في الحظوة لديه , و مهما تكن رفعة فضيلتهم و نزاهتهم - و هي الشيم التي تفرض احترامهم حتى على الأشرار حين يرونهم عن كثب - , أقول لا يسع أولئك الناس الصالحين المكوث بالقرب من الطاغية , فلا بدّ من أن يشعروا بالألم المشترك و أن يَخْبَروا الطغيان على حسابهم . تلك كانت حال (سينيكا) و (بوروس) و (ترازياس) (19) : ذلك الثالوث من الناس الصالحين الذين شاء سوء طالع الاثنين الأولين منهم الاقتراب من طاغية أوكل إليهما تصريف شئونه . و كان الاثنان محببين لديه , و على الرغم من أنّ أحدهما تولى تربيته , و كان يعتبر أشكال الرعاية التي أحاطه بها في طفولته عربون صداقة , أفلا يُعتبر أولئك الثلاثة الذين قُتِلوا على أبشع صورة , أمثلة كافية على ضآلة الثقة بأن يصدر فعل رعاية من سيد شرير ؟ و أي صداقة في الواقع يمكن لنا أن ننتظرها من ذلك الذي بلغت به قسوة القلب حد الكراهية مملكة بكاملها , لا تفعل سوى إطاعته , و من كائن لا يعرف الحب فيعمد إلى إفقار نفسه و تدمير إمبراطوريته الخاصة ؟ و الحال أننا إذا ما شئنا القول إنّ (سينيكا) و (بوروس) و (ترازياس) لم يعانوا ذلك الشقاء إلا لأنهم كانوا أناسا صالحين , فلنبحث باهتمام في محيط (نيرون) نفسه : نجدْ أنّ كل الذين كانوا ينعمون بخيراته و الذين حافظوا على مواقعهم بفضل شرورهم , لم تكن نهايتهم أفضل . هل من سمع عن عشق جنوني أو عن هوى جامح و عنيد , أو رأى يوما رجلا متعلقا بامرأة تعلّق ذلك الطاغية بالمرأة (بوبيه) (20) ؟ كانت النتيجة أن دسّ لها السمّ بنفسه . و لقد قامت أمّه (أغربينا) (21) , في سبيل أن يصل إلى العرش , بقتل زوجها (كلاوديوس) . و لم تتوان عن أي مبادرة تكون في صالحه . و مع ذلك فإنه هو ابنها , هو رضيعها الذي جعلت منه امبراطورا من صنع يدها , قد انتزع منها حياتها من بعد أن أساء معاملتها طويلا . ما من أحد أنكر أنها كانت تستحق تلك النهاية , فيما لو جاءت على يد أي واحد آخر . هل من إمبراطور آخر ليّن العريكة و أكثر بساطة , بل أكثر غباء , إذا ما صحّ القول , من الإمبراطور (كلاوديوس) ؟ هل كان من أحد سواه خاضعا لسيطره امرأة مثل خضوعه هو لسيطرة (ميسالينا) (22) ؟ و مع ذلك فقد سلّمها إلى الجلاد بيده . إنّ الطغاة الحمقى يظلّون حمقى . حتى لا يسعهم فعل الخير أبدا . لكن لست أدري في النهاية , كيف تستيقظ لديهم تلك البقية الباقية من العقل لكي يتصرّفوا بوحشية حيال ذويهم . و إننا لنعرف بما فيه الكفاية كلمة ذاك الذي , حين رأى نحر زوجته مكشوفا , و هي المرأة التي كان يمحضها حبا خالصا , حتى قيل إنه لا يستطيع العيش من دونها , وجّه إليها ذلك الإطراء الرائع : " إنّ هذا العنق الجميل سوف يُقطع على الفور , إذا ما أصدرت أمري " , فهذا هو السبب الذي جعل معظم الطغاة القدماء يُقتلون على أيدي غلمانهم المفضّلين : بسبب معرفتهم بطبيعة الطغيان , لم يكونوا مطمئنين قط لإرادة الطاغية و كانوا حذرين من بطشه . هكذا قتل (دوميسيان) بيد (إيتيان) , و قتل (كومود) بيد إحدى عشيقاته , و قتل (كاراكلا) على يد قائد المائة العسكري بتحريض من (ماكرينوس) , و كذلك كانت حال الآخرين جميعا تقريبا (23) .

لا جرم أن الطاغية لا يُحب أبدا و ليس محبوبا أبدا , فالصداقة اسم مقدس , إنّها شيء جدير بالتبجيل . و لا وجود لها إلا بين الناس الطيبين , فهي تنشأ عن ود متبادل و لا تدوم بحسن الأفعال على قدر ما تدوم بالاستقامة . إنّ ما يجعل صديقا موضع ثقة الآخر , إنما هي معرفته بنزاهته . أما ضماناته فهي عفويته و إخلاصه و ثباته , فلا مجال لنشوء صداقة حيث يقوم البطش و الغدر و الظلم , و إذا ما التقى الأشرار , فإنّهم لا يؤلفون مجتمعا بل مؤامرة . و هم لا يتحابّون بل يخشى بعضهم بعضا , و ليسوا أصدقاء , بل هم متواطئون .

و من الصعب , حين لا يكون الأمر كذلك , أن نجد لدى الطاغية حبا موثوقا , ذلك أنه و هو فوق الجميع و ليس له من مثيل , فهو واقع مسبقا في ما وراء حدود الصداقة , فالصداقة تزدهر في المساواة , و هي متوازنة دوما في مسيرتها , فلا تختل أبدا . لذا يقوم هنالك , كما يقال , نوع من حسن النيات بين اللصوص لدى اقتسام الغنيمة . لأنهم يكونون متساوين جميعا آنذاك و رفقاء . و لئن لم يكونوا متحابين , فإنّ بينهم على الأقل خشية متبادلة , فلا يرغبون في الإقلال من قوّتهم عن طريق الاختلاف . أما المقرّبون إلى الطاغية فلا يسعهم الركون إليه أبدا لأنهم علّموه بأنفسهم أنّ بوسعه أنْ يفعل كل شيء , و أنه غير ملزم بأيّ حق أو واجب , و أنه متعوّد ألا يكون حق إلا إرادته , و أنه بلا نظير , و أنه سيد الجميع . أوليس مزريا , بعد ذلك الفيضمن الأمثلة الصارخة , و بعد معرفة ذلك الخطر الراهن جدا , ألا نرى أحدا راغبا في التعلّم من مصائب الغير و أنّ عددا كبيرا من الناس ما زال يتقرّب بطيب خاطر من الطغاة ؟ و أنْ ليس هنالك من واحد يتمتّع بالفطنة و الشجاعة , ليقول لهم ما قال الثعلب في تلك الحكاية (24) للأسد المتمارض : " كان بودي أن أزورك في عرينك . لكنني أرى الكثير من آثار أقدام البهائم الداخلة , و لا أرى من أثر لأي منها و هي خارجة " .

إنّ أولئك البائسين يرون كنوز الطاغية و هي تبرق , فيتأمّلون بكل ذهول لألاء بذخه . و يجتذبهم ذلك البريق فيقتربون من غير أن يلحظوا أنّهم يرمون بأنفسهم في لهيب نار لن تتوانى عن التهامهم . كذلك كانت حال الساتير الطائش في الحكاية الأسطورية , فقد رأى بريق النار التي سرقها (بروميثيوس) , فراقه المنظر حتى مضى لتقبيلها فاحترق . و هي أيضا حال الفراشة التي تأمل في الحصول على شيء من المتعة , فترتمي في النار و قد رأتها تلمع , فتجد حينئذ , كما يقول الشاعر (اللوكاني) (25) , أنّ بوسعها أيضا أن تحرق . لكن لنفرض أيضا أن أولئك الظرفاء استطاعوا الإفلات من الذي كانوا في خدمته , إلا أنّهم لن يفلتوا أبدا من يدي الملك الذي يخلفه , فإن كان صالحا توجّب عليهم تقديم حساباتهم للتحقيق و أن يسلكوا جادة الصواب . و إنْ كان شريرا مثل سيدهم السابق , فلن يتوانى عن اتخاذ أعوان مقرّبين أيضا إليه , ليقوم هؤلاء و هم غير راضين باحتلال أماكنهم , بانتزاع كل أموالهم في الغالب , و حياتهم أيضا , فهل من الممكن بعد ذلك أن يبادر أحد ما , حيال مثل ذلك الخطر و بذلك القدر الضئيل من الضمانات , فيقبل بأن يشغل ذلك الموقع المشئوم و يتولى خدمة سيد على ذلك الجانب من الخطورة و في وسط حافل بالكثير من صنوف المشقة , منشغلا ليلا و نهارا بإرضاء رجل , و ان يكون حذرا منه فيخشاه أكثر من أي شيء في الدنيا . أن تكون عيناه في حالة من الترقب الدائم , و أذناه في إصغاء لأدنى نأمة , لتتوقع من أين ستأتي الطعنة , و للكشف عن المكائد , و لسبر أغوار سحنة منافسيه , و تبيّن من هو الغادر . أن يبتسم لكل واحد و أن يكون حذرا من الجميع , ألا يكون لع عدو معلن و لا صديق موثوق , و ان يظهر على الدوام بوجه ضاحك في حين أن قلبه واجف . و أن لا يقوى على أن يكون مبتهجا و لا أن يجرؤ على أن يكون حزينا . من المفيد حقا أن نقدّر ما ينالهم من ذلك الألم المبرّح , و أن ننظر إلى النفع الذي يسعهم أن يتوقعوه من عنائهم و حياتهم البائسة : ليس الطاغية هو الذي تُوجّه إليه تهمة الشعب بالتسبب بما يحلّ به من بلاء , بل إلى أولئك الذين يديرون دفّة الحكم . و نرى بالنسبة إلى هؤلاء أنّ الشعوب و الأمم , و الجميع من غير استثناء , حتى أبناء الريف و الفلاحين , يعرفون أسماءهم و يعددون رذائلهم , فيكدّسون حولهم آلاف الفضائح و يقذفونهم بآلاف الشتائم و آلاف السباب , فكل الدعوات و كل اللعنات تنصبّ عليهم . و تُعزى إليهم كلّ المصائب و كل الأوبئة و كل المجاعات . و إذا ما تظاهر أحدهم بكيل المديح لهم , فإنه يشبعهم لعنات من أعماق قلبه , و يعتبرهم أشد رهبة من الحيوانات المفترسة , فذلكم هو المجد , و ذلكم هو العزّ الذي يجنون من تقديم خدماتهم لطغاة , لو أتيح لكل واحد من أولئك الناس , أن يحصل على قطعة من جسدهم , لما اعتبر نفسه راضيا , و لا حصل على بعض مؤاساة عن عذابه . و حتى بعد موتهم , فإنّ الباقين على قيد الحياة لا يكفون عن تلطيخ أسماء مفترسي الشعوب (26) أولئك بحبر آلاف الأقلام و الريش , و يُعملون في سمعتهم تمزيقا في آلاف الكتب . بل يُصار إلى بعثرة عظامهم نفسها على يد الأجيال اللاحقة و إلقائها في الوحل , كأنه عقاب لهم من بعد موتهم على آثامهم في حياتهم , فلنتعلّم إذا , فلنتعلم فعل الخير . و لنرفع عيوننا إلى السماء من أجل سعادتنا و حبا بالفضيلة , بل حبّا بنعم الله القدير , الشاهد الأمين على أفعالنا و الحاكم على أخطائنا . أما و أنّه ما من شيء يعادي الله الصالح و المحب للبشر مثل الطغيان , فغنني أرى من جانبي - و لا أحسبني مخطئا - أنه يحتفظ عندا في ذلك الموقع من العالم السفلي , بمكان مخصص للطغاة و أعوانهم , لينالهم العذاب المناسب .

----------------------------------------------
الهامش

(1) السطرين 204 و 205 من الكتاب الثاني في الإلياذة , و في ترجمة البستاني
أوَ جملة الإغريق أقيال فلا أشقى مآلا من تسلط جملة
لا يستقيم الأمر إلا إن يكن فرد يخوّل صولجان الصولة
لكنني فضّلت نقل ترجمة (عبود كاسوحة) دون تعديل إكتفاء بالتعليق في الهامش .
(2) تعبير "ملكية" يعني أصلا : سلطة فرد واحد . و كلمة "طغيان" التي يستخدمها (لا بو سيه) , كما أرسطو , لها المعنى نفسه , فيشار للملكية و الطغيان بالكلمة اليونانية نفسها : (موناركيا) . إلا أن التمييز في المعنى بين التعبيرين ظهر ظهورا واضحا في القرن السادس عشر , لاسيما لدى الفقهاء القانونيين الذين اعتبروا بشكل عام أنّ الملكية شرعية , في حين أنّ الطغيان تعسّفي . و من هنا كان تعارضهما , فاعتبر أحد النظامين صالحا و الآخر فاسدا .
(3) عام 404 ق م , فرضت (إسبارطة) على (أثينا) المغلوبة حكومة من ثلاثين عضوا اختيروا من الحزب الأرستقراطي . و لم يدم الطغيان سوى أربعة أشهر , لكنه كان طغيانا في منتهى العنف بتأثير (كريتياس) .
(4) كان (ملسياد) و (ليونيداس) من الاستراتيجيين - خبراء الجيوش - في (أثينا) , و قد انتصرا على الفرس في (ماراثون) و (سالاميس) . أما (ليونيداس) فهو قائد عسكري من (إسبارطة) , و قد ذاعت شهرته بعد معركة مضيق (ترموفيل) التي خاضها بقصد تأخير تقدّم الفرس , و لقي فيها مصرعه مع ثلاثمائة من رفاقه .
(5) لم يتمّ العثور على هذه الأبيات في شعر (لا بو سيه)
(6) كان (لونغا) متقدّما على (لا بو سيه) في برلمان (بوردو) , و قد أهدى إليه مخطوط (ميسم)
(7) كان (بيزيستراتس) طاغية في أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد .
(8) كان للحرية السائدة في جمهورية البندقية سمعة حسنة جدا لدى ذوي النزعة الإنسانية في عصر النهضة , و قد يكون ذلك على غير حق , لأن أرستقراطية البندقية كانت شديدة التسلط !!
(9) يقصد هنا الأراضي التركية .
(10) )كاتون الأوتيكي) : رجل دولة روماني من القرن الأول قبل الميلاد , كان رواقيا معارضا لقيصر , و قد طعن نفسه بسيفه , في (أوتيكا) , بعد هزيمة (تابسوس) , عام 46 قبل الميلاد .
(11) النص هنا ذو بعد حقوقي , إذ يدحض (لا بو سيه) أطروحة الفقهاء الذين يؤسسون القانون على العادات و التقاليد .
(12) (هرموديوس) و (أريستوجيتون) قتلا (بيزاستراتس) . (تراسيبول) طرد الطغاة الثلاثين من أثينا عام 404 قبل الميلاد . و كان (بروتوس) الأكبر و (فاليريوس) من بين الذين أسسوا الجمهورية الرومانية . و قام (ديون) بقلب طغيان (دونيس) في صقلية , لكنه أقام طغيانا جديدا في (سيراكوزا) .
(13) فيرجيل - الإنيادة .. الكتاب السادس - السطور 585 : 594
(14) تاريخيا قيل إنها كانت تحوي دم شخص مدفون في المدافن المسيحية القديمة تحت مدينة روما . ثم صارت تعني الأمبولة التي تحوي الزيت المقدس
(15) ليست ملكيّة الحق الملكي الإلهي شيئا بدهيا لدى (لا بويسيه)
(16) تلك هي الصفحة التي يرجع إليها الذين يدعمون , مثل (أرمانغو) , الرأي القائل إنّ كتابة المقالة ليست كلها بقلم (لا بويسيه) . و واقع الأمر أنّ (رونسار) لم ينشر عمله الشعري La Franciade , إلا عام 1572 , و هنالك تأييد للرأي القائل إنّ شهرة شعراء (لا بلياد) من أمثال (باييف) و (دو بلليه) لم تكن راسخة أيام شباب (لا بويسيه) . و مع ذلك فإن (رونسار) , وفق ما يرى (أوليفييه دو مانييه) , قد وضع تصوّرا لقصيدته الملحمية في حدود عام 1550 , و تحدّث فيها إلى أصدقائه . و فضلا عن ذلك فإن أولى قصائد (دو بلليه) تعود إلى عام 1549 , و قصائد (باييف) إلى 1552 , فيسعنا التسليم إذا بأنّ (لا بويسيه) قد أطّلع عليها و هو طالب في أورليان و استطاع أن يكتب عنها ملحقا بالكتابة الأولى للمقالة .
(17) المقصود بذلك قارورة الزيت المقدس الذي يستخدم في بعض الطقوس .
(18) أريشتون / أريختون : ملك خرافي في (أثينا) , في القرن السادس عشر قبل الميلاد , ينسب إليه إختراع العربات , لأن جسمه كان نصف إنسان و نصف أفعى . و قد جاء في أثينيات المؤرخ (بوزانياس) كيف أنّ الربّة (مينيرفا) , بعد أن أودعت الصبي في سلّة , وضعتها في حراسة (أغلبور) و شقيقاتها , بعد أن حظرت عليهن النظر إلى ما بداخلها , فلم يتقيّدن بذلك , و كانت عاقبة فضولهنّ رهيبة .
(19) (سينيكا) فيلسوف رواقي , (بوروس) هو مؤدب (نيرون) , و (ترازياس) عضو مجلس الشيوخ في (روما) . و يشترك الثلاثة في كونهم مستشارين لـ (نيرون) , و قد أتّهمهم بالخيانة , فحُكم على (بوروس) بالسجن , في حين انتحر كل من (سينيكا) و (ترازياس) .
(20) (بوبيه) : محظية (نيرون) , ثم زوجته , و قد قتلها . رفسها حسبما قيل , سنة 65 م .
(21) (أغربينا) الصغرى , والدة (نيرون) . تزوجت عمه الامبراطور (كلوديوس) , فكان زوجها الثالث . و قد جعلته يتبنى ابنها , ثم دسّت له السم , ليرتقي (نيرون) العرش , فقام (نيرون) فيما بعد بقتلها .
(22) كانت (ميسالينا) 15 - 28 , زوجة الإمبراطور (كلاوديوس) الرابعة , و هي أم (بريتانيكوس) و (أوكتافيوس) , و قد شاعت شهرتها البائسة بسبب حياتها المتهتكة .
(23) حكم الأباطرة : (دوميسيان) و (كومود) و (كاراكلا) على التوالي , من 80 - 96 , و من 180 - 192 , و من 211 إلى 217 .
(24) حكاية (إيسوب) : الحصان و الأسد .
(25) المقصود هنا , الشاعر (بترارك) في (السونيتة) 17 , و قد ولد في (لوكا) و إليها ينسب .
(26) يستخدم (هوميروس) هذه العبارة في الإلياذة مرارا , لوصف بعض الملوك .
----------------------------------------------
المصادر :
مدخل Étienne de La Boétie على الموسوعة ويكيبيديا , مقال بالإنجليزية .
Graham R (Ed.) , "Anarchism - A Documentary History of Libertarian Ideas , Volume One - From Anarchy to Anarchism (300 CE to 1939)" , Chapter 1 : Early Texts On Servitude And Freedom , 2 Etienne de la Boetie: On Voluntary Servitude (1552)

عبود كاسوحة , مقالة العبودية الطوعية , المنظمة العربية , 2008

خلصت - مين ح ينضف معايا بقى

خلصت - مين ح ينضف معايا بقى